أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات.

صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

في يوم 23 مارس من عام 1903 تقدم شقيقان أميركيان إلى مكتب براءات الاختراع في ولاية أوهايو يطلبان تسجيل اختراع توصلا إليه.

وحسب ما تقضي به اللوائح والإجراءات البيروقراطية في الولاية الأميركية أرفقا بالطلب المقدم.. وطبعا بعد استيفاء الطوابع الحكومية المفروضة، رسما تخطيطيا (كروكيا) بمعالم ذلك الاختراع العجيب ممهورا في أسفل يمين الصفحة بتوقيع كل من الأخوين: أورفيل رايت وولبور رايت.

أما إلى يمين الصفحة نحن نجد توقيعين لشاهدين لزوم تصديق الواقعة الأول اسمه بوير والثاني اسمه ميللر.الاختراع المذكور أعلاه كان اسمه ببساطة هو:الطائرة.

طبعا كان الأمر يتعلق بأبسط أنواع الطيارات وأشدها سذاجة أو حتى بدائية كما قد نقول. ولو نظرت إلى الشكل رقم واحد من استمارة طلب تسجيل البراءة لطالعت مستطيلا طويلا حافلا بالخطط المستقيمة المتشابكة، ويحمل كل منها رقما، ورأيت نفسك بإزاء مخطط لا يكاد المرء يصدق أنه يجسد تحقيق أكبر حلم راود الإنسان على مر الحقب والعصور.

في تاريخنا العربي نقرأ عن العربي المسلم في الأندلس عباس بن فرناس (عام 888) الذي حلم بالتحليق يوما في أجواء الفضاء بعد أن أمضى سنوات من تأمل حركة الطيور.. تمضي خماصا على لحم بطنها وتؤوب بطانا وقد امتلأت حويصلاتها بكل ما رزقها خالقها به من صنوف الغذاء. وبعد رحلة طيران دفعت ابن فرناس الشغوف إلى أن يقلدها حين اتخذ لنفسه جناحين لعله يقلع محلقا من الأرض إلى السماء..

في تراث الحضارات الكلاسيكية أيضا نلمح اسم إيكاروس بن ديدالوس الإغريقي الذي يقال إنه صعد إلى أعلى قمة في حصن شاهق مزودا بجناحين في غاية الضخامة استخدم في لصقهما إلى بدنه أنواعا من الصمغ أو الشمع..

وفي كل الحالات كان الشمع يذوب منصهرا تحت وهج الشموس وسواء كان الرائد عربيا أو يونانيا أو صينيا يلقى مصيره من يهوي من حالقٍ كي يذكر التاريخ اسمه مقرونا بحلم التحليق وريادة الفضول المقدس إلى الإقلاع من فوق سطح البسيطة إلى حيث أجواء السموات.

سنة 1867 كانت مولد الأميركي ولبور رايت فيما ولد أخوه أورفيل عام 1871.

كانا يملكان مطبعة بسيطة اضطرا إلى التحول بها إلى دكان لتأجير وإصلاح الدراجات.. وزيادة في الدخل شرعا في تصميم أنواع مستجدة من هذه الدراجات الهوائية.. وكم أحَسَنا صنعا حين استخدما زيادة الدخل في تمويل تصاميم جديدة ظلا يعكفان على تجويدها زمنا.. وكلها تعلقت بمشروع .. الطيران.

الأخ الأكبر ولبور (تحل في أيامنا ذكرى مولده الـ 140) كان شغوفا بمطالعة حكايات الريادة في مجال التحليق إلى عنان السماء. في سن التاسعة والعشرين قرأ عن فاجعة سقوط رائد آخر من معاصرين هو أوتو ليلنتال بعد فشل تجربة طيران قام بها عام 1896. كان المهم في تجربة الأخوين ولبور هو اتزان جناحي الآلة الطائرة + تزويدها بقوة التحريك (المحرك) وبحيث يتسنى لها أن تدرج فوق الأرض..

وتقلع ثم تهبط ويمكن توجيه حركتها ذات اليمين وذات الشمال وكان الأهم ضمان إمكانية تنفيذ هذه العمليات أو اثنتين منها على الأقل في وقت متزامن واحد.

هنا لم ينتظر الأخوان لحظة الإلهام أو شرارة العبقرية.. توجها إلى معهد سميسونيان وطلبا من أمنائه تزويدهما بكل المؤلفات المحدثة والقديمة التي تتعلق بالطيران.. وأجهزا عليها قراءة وتحليلا..

وبعدها أقدما على أول تصاميم وضعاها لآلة الطيران الجديدة المرتجاة وكان ذلك في عام 1902. وعند التجربة زودهما مكتب الأرصاد الجوية في نورث كارولينا بقائمة بمواقع الرياح كي يجريا فيها أول تجربة طيران في منطقة كيتي هوك بالولاية المذكورة.

واستعدا للتجربة باستخدام طائرة 4 سلندرات ومحرك بقوة 12 حصانا.

بقي اختيار يوم التجربة وهو يوم تاريخي بكل معنى.. وتمّ اختيار اليوم بطريقة أبعد ما تكون عن علم الطيران أو علم الأرصاد أو علم الميكانيكا أو أي علم من قريب أو بعيد كيف؟

لقد طوّحا عملة دولار معدنية في الهواء وعلى أساس وجهها تم اختيار أول تجربة طيران في التاريخ .

وكان اليوم هو 17 ديسمبر عام 1903 وحرصا على أن يتم تصوير بدايات التجربة بكاميرا فوتوغرافية شبه بدائية ولم يكد العالم يصدق نجاح مثل هذه التجربة إلا بعد سنة 1908 حيث بدأت مؤسسات كبرى في أمريكا وأوروبا تأخذ المسألة على نحو أعمق من الجدية.. في عام 1912 رحل ولبور عن الدنيا.. وطالت الحياة بشقيقه أورفيل حتى عام 1948. وقد عاش الاثنان بغير زواج، عاشا من أجل أن يتحقق للبشرية حلم الطيران.

نايلون

«دي بونت» مؤسسة أميركية تتعامل في نوعيات عديدة من المنتوجات. كان بوسعها – كأي مشروع رأسمالي – أن تراكم الأرباح وتزيد ثروات المالكين والمساهمين.. ولكنها قررت لأمر ما أن تضيف إلى أنشطتها الإنتاجية نشاطا آخر نرجو أن تعيه جيدا كل مؤسسات التصنيع ومشاريع الإنتاج في أقطارنا العربية.

وهذا النشاط اسمه ببساطة هو: مختبرات ومعامل البحث العلمي. في هذه المواقع تتطور عملية الإنتاج.. ترتقي نوعية المنتجات.. تتدرب وتتخرج كوادر في غاية الرقي من حيث الخبرة والمعرفة وقدرات الإجادة والإتقان من العلماء والباحثين ومهندسي ومديري الإنتاج..

وأي نفقات يتم تكبدها في مثل هذه المجالات تعود أضعافاً مضاعفة في معظم الأحيان على المؤسسة الأم بل وحتى الأخطاء والتجارب العلمية.. الفاشلة تنطوي على دروس مستفادة يتعلم منها البشر.

منذ 70 عاما.. وبالتحديد في 19 أبريل عام 1937 أذاعت مؤسسة دي بونت بيانا قالت فيه:

- لقد تم إنتاج أول خيوط نسيجية عضوية من تصنيع الإنسان حيث جرى تخليقها تماما من واقع مواد مستجدة مستقاة من موارد المملكة الحيوانية.

سمع المختصون هذه العبارات – وانصرفت أذهانهم إلى رجل اسمه ولاس كاروثرز، كان يعمل وقتها كبيرا للباحثين في مختبرات دي بونت.

والحق أن الرجل لم يكن يقصد تحديدا إلى اختراع الخيوط الصناعية المشار إليها.. وكان همه الأول هو تدارس الخيوط العضوية الموجودة في مادتي المطاط والحرير..

وكان التصور هو أنه إذا استطاعت الشركة الأم أن تفهم كيفية تركيب تلك الخيوط الطبيعية وشكل جزئياتها. فقد تستطيع من ثم أن تستحدث خيوطا مستقاة من خامات أو مواد أولية أخرى من قبيل الفحم أو البترول بدلا من الاعتماد الذي كان سائدا على النباتات أو على إنتاج دودة الحرير. هنالك شرع كاروثرز في العمل يعاونه فريق من الشباب الباحثين المتحمسين.

وعلى مدار ثلاث سنوات، بين عامي 1930 و 1933، ظل الفريق يعمل إلى أن توصلوا إلى مادة من خيوط نسيجية استحدثوها داخل المختبر الصناعي وتبدو أقرب إلى مادة الحرير المستخرجة من النباتات الطبيعية.. تناولوها ثم عالجوها بطريقة السحب على البارد كما يقال. وكانت النتيجة أن أصبحت المادة الجديدة أكثر صلابة من خيوط الحرير الطبيعي ذاتها!

الطريف أنه كان الباحثون الشبان في معامل دي بونت يقومون بكثير من تجاربهم من خلف ظهر رئيسهم والاس كاروثرز.

كان الرجل من ضحايا الاكتئاب النفسي – وكثيرا ما نفد صبره واعترته أشباح اليأس والغضب عندما كانت المادة المصطنعة الجديدة تبدو أمامه هشة أو مستعصية على التحول إلى خيوط تصنع نسيجا صناعيا متينا ومتكاملا.. ساعتها كان المساعدون يتحينون فرصة غيابه بعد ساعات العمل ويتناولون المادة الجديدة ويسحبونها على البارد عبر ممرات وأبهاء المختبر فإذا بها تتمدد وتقوى وتصبح جاهزة للاستخدام. وسط هذه الظروف المعقدة ولدت المادة الجديدة..

وأطلقوا عليها اسمها المعروف وهو: النايلون بعدها شقت هذه الخيوط الصناعية طريقها في عالم الاستخدام باعتبارها أكثر صلابة من خيوط الحرير.. وبعدها ظل المنتجون يتفننون في إضفاء هالات متنوعة لتجميلها من فنون الزخرفة والتزويق بحيث ظل استخدامها يتراوح بين الاحتياجات النسائية وبين الاستخدامات الصناعية التي استغلتها الدول خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

مع هذا كله.. بدا المهندس كاروثرز ساخطا على شركته لأنها لم تحط النايلون – في رأيه – بالدعاية التي يستحقها..

استبد به طائف الاكتئاب المرَضَي.. لم يكن يسعده مثلا أن اسمه مسجل على عنوان الاختراع المقدم إلى مكتب ولاية ديلاوير دون أن تلحقه أي رسوم أو تصاميم ويحوي طلب البراءة 110 من السطور التي تشرح بالتفصيل سبل التوصل إلى تكثيف خيطي للجزيئات التي تتألف منها الخيوط وموارد الغزل ولحمة النسيج التي يتم إعدادها بمعنى استحداثها أو تخليقها لتصبح خيوطا صناعية صالحة للاستخدام.

زاد اكتئاب الرجل خارج جدران المختبر الذي شهد لحظات التوصل إلى المنتج الجديد الذي سيغزو العالم – الثالث بالذات لتصبح كلمة «نايلون» آية على إنتاج الموضة، ولتدخل الكلمة حتى إلى أهازيج أغاني الفولكلور الشعبية في بلد مثل مصر فإذا بالمطربة الشعبية تردد أهزوجتها بأنه إذا كانت عتبة الدار من زجاج.. فلا بد أن يكون السلم المفضي إلى سطحها من مادة النايلون!

كل هذا لم يشفع في تبديد الاكتئاب في نفس كارثورز.. زاد من تعاسته الوفاة المفاجئة لأخته الوحيدة.

في يوم 29 أبريل من عام 1937 – بعد أقل من 3 أسابيع فقط من تسجيل اختراع النايلون – الخيوط الصناعية، أغلق المخترع والاس كارثورز باب غرفته الصغيرة في فندق فيلادلفيا.. تناول مادة السيانيد القاتلة.. انتهت حياته القصيرة ولما يزد عمره وقت رحيله على سن الحادية والأربعين.

محمد الخولي