الزمان والمكان والحدث.ثلاثية ذات أبعاد متلازمة تكاد لا تنفصل عن بعضها، منها تكونت تلك المنظومة المحيرة التي نسميها حياتنا. فالحياة ليست إلا جماع الأحداث التي عشناها في مكان ما، في زمن ما، لتختزن الذاكرة منها شيئا، وتذهب منها إلى زوايا النسيان أشياء بإرادتنا أو رغما عنا.

ثمة أزمان ذهبية تضيء جوانب حياتنا، لا نستطيع أن ننفصل عنها بأي شكل من الأشكال لأنها الوقود الذي نستمد منه مقدرتنا على مواصلة رحلة الحياة حتى محطتها الأخيرة.

وثمة أماكن أثيرة لا نستطيع أن نغادرها مهما ابتعدنا عنها بأجسادنا لأن أرواحنا تظل مقيمة فيها، لا تملك القدرة على مفارقتها حتى لو لم نستطع العودة إليها، أو تحولت تلك الأماكن إلى أطلال، أو لم يعد لها على ظهر البسيطة وجود.

وثمة أحداث لا نستطيع أن ننتزعها من ذاكرتنا مهما تقادم عليها الزمن حتى لم تعد أكثر من بقعة ضوء بعيدة، مثل نجمة أضاءت ذات يوم سماءنا ثم اختفت وسط هذا الكم الهائل من النجوم والكواكب، ليصبح البحث عنها عملية من العبث ممارستها، أو عذابا تشقى به نفوسنا دون أن نصل إلى راحة أرواحنا.

وإذا كانت (الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه) كما يقول الروائي الكولومبي «غابرييل غارسيا ماركيز» في سيرته الذاتية (عشت لأروي) فإن الارتحال في الذاكرة يصبح حقا مشروعا لنا، علينا جميعا أن نمارسه بمنتهى العذوبة لأنه ارتحال في الحياة نفسها، بين كل بؤر الضوء والعتمة التي تتوزع في أنحائها.

وفوق كل هضاب النجاحات العالية وبين أودية الاخفاقات السحيقة التي ترسم تضاريسها، وحول كل ميادين الانتصارات المزدانة بالأضواء وساحات الانكسارات والخيبات المعتمة التي تتشكل منها خريطتها.( قد تبقى حادثة ترقى إلى الطفولة منذ ستين عاما في ذاكرتنا بشكل أفضل مما تبقى حادثة البارحة، وتبعث بالصورة الأكثر صفاء وحياة.

أفلا يحدث هذا حين نشيخ؟ وفوق ذلك، ألا توجد حالات تصوغ فيها أحداثُ الطفولةِ الشخصيةَ وتحدد حياة بأكملها؟) هكذا تكلم «إيغوشي» بطل رواية (الجميلات النائمات) للروائي الياباني «ياسوناري كاواباتا» وهو يستحضر صورا من الماضي خلال تلك الليالي الخمس التي قضاها في بيت الجميلات النائمات.

حيث يتردد برجوازيون يدفعون أموالا طائلة للتمتع بالشكل الأكثر نقاءً للحب الأخير. من هنا تأتي الدعوة إلى الإبحار في الذاكرة التي تتوقد حينا وتنطفئ حينا، نتسلل عبر ثقوبها التي نحاول أن نجعلها وردية قدر الإمكان، باحثين عن حدث كان ذات يوم بؤرة الضوء التي انجذبت إليها كل حواسنا وتجمعت حولها كل مشاعرنا، أو مكان كان ذات يوم مأوى الأفئدة ومستقر القلوب.

أو لحظة كانت ذات يوم محطة تمنينا أن يتوقف الزمن عندها فإذا بعجلة الحياة تأخذنا بعيدا عنها، تاركين فيها شيئا منا حاملين معنا شيئا منها.

تُرى ماذا لو امتلكنا (آلة الزمن) التي كانت وما زالت حلما يداعب خيالات الكتاب والسينمائيين، ومجالا لدراسات العلماء الباحثين عن نظرية تسوّغ وجودها؟

هل كنا سنختار الارتحال بها إلى الماضي لنعيد تصحيح مسار بعض أحداثه، أم ترانا سننطلق بها إلى المستقبل لنشبع فضولا مستوطنا في نفوسنا ما انفكّ يطرح أسئلته علينا ويوزع علامات الاستفهام في نهايات الجمل؟ أم ترانا سنرضى بالواقع مكتفين بالحلم، مسلمين أمورنا لأقدارنا التي ربما كانت أرأف بنا من أنفسنا؟

تلك حكاية أخرى تستحق المغامرة وخوض التجربة بكل ما فيها من أوجاع ومسرات هي أشبه ما تكون بهمسات تجد لها من الصدى في نفوسنا ما يجعلها جديرة بالمحاولة كي نكتشف موقعنا منها وموقعها منا.

aliobaid2000@hotmail.com