تعد المساجد من أهم المعالم التي تستقطب الأنظار في حياة أي جماعة إسلامية في أي مكان من العالم. والمسلمون في بريطانيا ليسوا استثناء من هذه القاعدة، والحقيقة الأولى التي تلفت النظر في هذا الصدد هي أن هناك في بريطانيا الآن 1600 مسجد على الأقل، يعكس الكثير منها الأولويات الواضحة والصريحة والمحددة التي وضعتها أجيال المهاجرين المسلمين الأولى، لكن هناك مساجد أخرى بدأت تعكس ــ شأن المساجد في الولايات المتحدة ــ تغييرات باتجاه الجمع بين الوظائف الدينية للمساجد والخدمات على اختلاف أنواعها للجماعات الإسلامية، وفي مقدمتها الخدمات التعليمية والاجتماعية.

ولكن متى بدأت المساجد المشيدة خصيصاً لغرض إقامة الصلوات الجامعة في الظهور تحت آفاق بريطانيا؟الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة ولا في متناول اليد. وإنما يكتنفها الغموض، وعلى ذمة الصحافي والكاتب إحسان مسعود في كتابه «المسلمون البريطانيون» فإن من المعتقد أن أول المساجد قد شيدت في أواخر القرن التاسع عشر في مدينتي كارديف وليفربول عندما أصبحت هاتان المدينتان موطناً للعائلات التجارية التي اعتادت القيام برحلات متتابعة للتجارة واستقرت أخيراً في بريطانيا، وقدم معظمها من الصومال واليمن.

الأمثلة الأولى جد من أولى هيئات المسلمين البريطانيين التي سجلت كهيئات خيرية، وبنيت بأموال جمعت داخل بريطانيا ومن الحكومات والمؤسسات الخيرية والأثرياء في البلاد الإسلامية.

وكما هي الحال في معظم أرجاء العالم الإسلامي، وبصفة خاصة في العالم العربي وجنوب آسيا، فإن الوظيفة الأساسية للمسجد في بريطانيا هي توفير المكان المناسب لإقامة صلاة الجماعة، غير أن أعداداً متزايدة من المساجد في مختلف أرجاء بريطانيا تتجاوز الاقتصار على هذه الوظيفة الواحدة، على الرغم من كونها وظيفة أساسية ومهمة، لتغدو مراكز للمجتمع متعددة الوظائف والاهتمامات، حيث تتوفر بها الأنشطة الاجتماعية بالإضافة إلى الأنشطة التعليمية.وهذا التيار الموجود في بريطانيا ينافس نظيره الذي ينتشر بقوة في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم الأخرى.وإلى جانب المساجد الأولى التي أنشأها المهاجرون اليمنيون والصوماليون إلى بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر، يتوقف مؤرخو العمارة الإسلامية في بريطانيا عند المساجد التي أنشأها البريطانيون الذين شرح الله صدرهم للإسلام فاعتنقوه.

ومن أبرزهم وليام عبد الله كيليام، الذي شيد أحد المساجد الأولى في عام 1887 في شارع ماونت فرنون في ليفربول. وبعد تبرع سلطان أفغانستان في عام 1889 بمبلغ 2500 جنيه استرليني أنشأ كذلك معهداً إسلامياً في بروهام تيراس الذي شمل مساحة مخصصة لأداء الصلاة تتسع لمئة مصل.وقد كان هذا المعهد مثالاً مبكراً على إمكانية أن يصبح المسجد مركزاً للتعليم ومعهداً يخدم كل الجماعات بالإضافة إلى المسلمين. وكانت خطبتا صلاة الجمعة تلقيان بالعربية وبالإنجليزية، وقدم المعهد مساقات في الفنون والعلوم والقانون. واجتذبت النقاشات الأسبوعية والجمعية الأدبية الكثير من غير المسلمين الذين كانوا يشاركون في العديد من الأنشطة في أيام الآحاد.

ووفرت مطبعة موجودة في القبو نسخاً من جريدة يصدرها المسجد، هي جريدة «كريسنت ويكلي» بالإضافة إلى صحيفة شهرية وزعت في وقت لاحق في أكثر من عشرين بلداً.في عام 1940 خصصت الحكومة البريطانية مبلغ مئة ألف جنيه استرليني لشراء قطعة أرض لبناء أول مسجد يقام خصيصاً لهذا الغرض في لندن.وذلك مقابل قطعة أرض تشيد عليها كاتدرائية انجليكانية في مصر.وكانت فكرة إقامة مثل هذا المسجد قد اقترحها لأول مرة في عام 1916 لورد هيرلي وهو من أبرز البريطانيين الذين شرح الله صدورهم للإسلام، والذي قام بحملة كبيرة من أجل مسجد تموله الدولة يشيد احياء لذكرى الجنود المسلمين الذين ماتوا وهم يدافعون عن إنجلترا في الحرب العالمية الأولى.

وقد بني المسجد بالفعل في عام 1944 وشغل ما يزيد على الفدانين في هانوفر جيل في ريجنت بارك، وهي الأرض التي تبرع بها الملك جورج السادس.

في عام 1977 افتتح في الموقع نفسه مسجد أكبر كثيراً أعيدت تسميته ليعرف بالمركز الثقافي الإسلامي ومسجد لندن المركزي، وذلك بتكلفة بلغت 6.5 ملايين جنيه استرليني.

وقد تبرعت دول الخليج بهذا المبلغ، ولا تزال السعودية بصفة خاصة تساهم في الإنفاق على هذا المسجد، الذي تديره لجنة تتألف من سفراء الدول الإسلامية في لندن. ويأتي أئمة المسجد من مصر، حيث يشترط فيهم أن يكونوا من خريجي جامعة الأزهر بالقاهرة.

المساجد وأجهزة الإعلام

تشق مساجد بريطانيا طريقها إلى اهتمامات أجهزة الإعلام المحلية والقومية في بريطانيا بالإضافة إلى أجهزة الإعلام العالمية، وذلك لأسباب عديدة، فافتتاح المساجد وحملات التبرع للأغراض الخيرية والمهرجانات وفعاليات المدارس كلها فعاليات تجتذب الكثير من التغطية الإعلامية.

كما يهتم الإعلاميون كذلك بالتخطيط للمساجد والمعارك التي تدور حول التصاريح ببنائها، كما تعد مسألة تعليم الأئمة وتدريبهم من الموضوعات التي تثير فضول أجهزة الإعلام.

وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن الأئمة في غالبيتهم العظمى في المساجد البريطانية يأتون من جنوب آسيا، وقلة محدودة منهم فحسب هي التي تنتمي إلى أجزاء من الشرق الأوسط وغيره من أرجاء العالم الإسلامي.

وأئمة المساجد المتفرغون لهذه المهمة النبيلة هم من خريجي الكليات المتخصصة، مثل دار العلوم، وهم متبحرون في دراسة اللغة العربية والتاريخ الإسلامي والفقه.

وبالمقابل فإنهم يتلقون تعليماً محدوداً فيما يتعلق باللغات الأجنبية والعلوم الطبيعية والموضوعات الوظيفية مثل كيفية العمل مع الصغار.

ومعظم مساجد بريطانيا مسجلة في لجنة العمل الخيري.

والكثير من أمناء المساجد البريطانية يعملون ساعات طويلة، ولكنهم لا يتلقون تعليماً رسمياً أو معرفة في كيفية إدارة مؤسسة غير ربحية وكيفية تحسين الخدمات التي تقدم للجمهور، وبصفة خاصة الخدمات المقدمة للنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

وقد بدأت المؤسسات التعليمية البريطانية في دخول هذا المجال لكي تقدم التدريب في هذه المجالات المطلوبة للأئمة وأمناء المساجد. وتعد «الكلية الإسلامية» من المؤسسات الرائدة في تقديم المساقات التدريبية للأئمة في إنجلترا.

وهي تقع في غربي لندن، وقد أسسها الراحل الشيخ زكي بدوي، المدير السابق للمركز الثقافي الإسلامي في لندن.وبالإضافة إلى ذلك يقدم معهد ماركفيلد للتعليم العالي مساقاً في إدارة المساجد.

وتعد كلية ايتون وجامعة لندن متروبوليتان أولى المؤسسات التعليمية البريطانية التي تضم أئمة في صفوف طاقم العاملين الأكاديميين فيها.وتعد قضية الطاقة الاستيعابية للمبنى من التحديات المهمة التي تواجه مساجد بريطانيا، وهذا الاصطلاح يشير في هذا السياق إلى القدرة على تقديم خدمات أكثر كفاءة ومهنية للمجتمعات التي يوجد المبنى بين ظهرانيها.

مسجد ووكينج

من الحقائق المعروفة في إطار مساجد بريطانيا أن أول مسجد شيد خصيصاً لهذا الغرض في بريطانيا باستخدام أسلوب معماري غير غربي هو مسجد ووكينج في ساري الذي شيد في عام 1894، ولكن هذا المسجد ليس ككل المساجد.جاءت فكرة بناء هذا المسجد من رجل غير مسلم، وهو جوتليب فيلهلم لايتز.

وهو موظف مدني ورجل تعليم كان قد خدم في الهند الواقعة تحت الاستعمار البريطاني كمفوض للتعليم، وساعد في وقت لاحق على تأسيس جامعة البنجاب، وقبل عودته إلى بريطانيا أقنع البيجوم شاه جهان وهي عضوة في العائلة المالكة لولاية بهوبال بشمالي الهند بالمساعدة في دفع نفقات إنشاء مسجد جديد ومعهد للدراسات والأبحاث الشرقية.وقد أغلق المسجد نفسه عشر سنوات بعد وفاة لايتز، إلى أن اهتم به خواجة كمال الدين.

وهو محام مسلم من الهند، ومن خلال الجهود التي بذلها أعيد فتح المسجد في عام 1913 كمقر رئيسي لما أصبح يعرف باسم بعثة ووكينج الإسلامية.وقد تم ترميم المسجد وتجديده في عام 1994، وهو يواصل اليوم خدمة المسلمين في بريطانيا، وأصبح مؤخراً من أول المساجد البريطانية التي تنتخب امرأة لعضوية اللجنة التي تتولى إدارتها.

ويهتم المسلمون في بريطانيا اهتماماً خاصاً بالشروط الواجب توافرها فيمن يعملون أئمة متفرغين في المساجد البريطانية، ويدور النقاش حول ما إذا كان ينبغي استقدام هؤلاء الأئمة من البلاد الإسلامية أم ممن تلقوا تعليمهم في بريطانيا.

وفي ضوء هذه النقاشات ساد الاهتمام بالمتطلبات التي اشترط سليمان الأكبر توافرها في امام مسجد اسطنبول الجامع الكبير، وذلك خلال فترة حكمه للدولة العثمانية والتي امتدت من عام 1520 إلى 1566.وقد شملت هذه الشروط سبع نقاط أساسية، هي كالتالي:

• أن يتقن العربية واللاتينية والتركية والفارسية.

• أن يكون عارفاً بالقرآن الكريم وملماً بالكتاب المقدس وبالتوراة.

• أن يكون متبحراً في الشريعة والفقه.

• أن يكون دارساً للفيزياء والرياضة بحيث يتاح له تدريسهما.

• أن يكون بارعاً في ركوب الخيل والرمي بالنبال والمبارزة بالسيف.

• أن يكون مقبول الهيئة.

• أن يكون حسن الصوت.

كامل يوسف حسين