تختلف دواوين الشعراء في درجة إيراد الأشعار في أولادهم وأحفادهم بين شاعر وآخر، وبين زمان وزمان. أما في العصور القديمة فإن الشعراء يذكرونهم في المواعظ والإرشاد وفي التأبين في حال الوفاة وقل ورود الأشعار في وصف حياة أولادهم وأحفادهم. ويصدق هذا على العصر الحديث فقد يخلو ديوان شاعر من أية إشارة إلى هؤلاء.
ولا ندري هل أهمل الشاعر تلك القطع أم أنه لم ينظمها أصلاً؟
* في دفتر الأولاد وممّن أكثر من ذكر أولاده وأحفاده أحمد شوقي وعزيز أباظة وعمر بهاء الأميري وعدد من شعراء المهجر كثير، فكأن الغربة ألهبت عواطفهم ورققت قلوبهم إضافة إلى عاطفة الأبوة الجامحة.ومن الطريف في هذا الشعر ان يسجل الشاعر في دفاتر أولاده مقطعات،.
وقصائد شعرية، وهي دفاتر خاصة تسجل فيها ـــ عادة ـــ توقيعات الأدباء والعلماء والمفكرين وأمثالهم من باب التأريخ للقائهم والإعجاب بهم وما شابه ذلك.ونقرأ في آثار عزيز أباظة الشعرية ومذكرات ابنته قطعاً من الشعر سجلها الوالد الشاعر ارتجالاً حيناً، وبعد تهيئة حيناً آخر، فكتب على دفتر «كبرى ابنتيه» تحت عنوان:
«ولا تنسي أباك» وقال:
اسْألي ربّك يلهمـ / ـك مع الصبر هداك
واثبتي للخَطْبِ واسْتَعْـ / ـليِ عَليْهِ بصباكِ
واذكري أمّك وابكيـ / ـها ومَنْ يبكي سواك؟
واحملي عبء أشقا / ك ولا تنسي أباكِ
ففي الأبيات:
1) دعاء لابنته بالهداية والصبر
2) واحتمال وفاة والدتها، وتذكرها
3) ومساعدة أخواتها فهي الكبيرة فيهم
4) وألا تنسى أباها أيضا!
وكتب مرة في دفتر التوقيعات لابنته، في مجال آخر، فقال مشيرا الى أخيها وأختها (فهم ثلاثة: بنتان وصبيّ):
وهبتك قلباً مع شقيقيك عامراً
بأغلى الذي عندي من الحبّ والعطفِ
وأسكنتكم أحناءه منزلاً لكم
فلو قد صددتم عنه أسكنتكم طَرْفي
فقد أسكن أولاده قلبه، فإن طلبوا مكاناً آخر أسكنهم في عينيه.
وليس هناك أغلى من القلب والعين. ثم قال: وأصفيتكم من حَبّة النفس رحمةً
ويسعد نفسي أنها لم تزل تُصْفي
وأبُدِي حنوّ الوالدين وأتقي
فأُخفي فينهلّ الحنوّ الذي أُخفي
إذا ما بذلتم لي جزاءً يضيء لي
بقيّة أَيّامي، فَمِنْ ساكب العرفِ
وإن كانت الآباء كهف فروعهم
فكهفكمُ حُبّي وحُبّكم كَهْفي!
وفي النص قدر عال من الحنان والعطف، وتدرّج سام من حفاظِ الأولاد ورعيهم، بين حبة القلب، وحبّة العين. وهو وإن تماسك تظهر عليه علامات الأبوة العارمة. والشاعر يتماسك كثيراً، ويحاول أن «يُخفي الحنوّ» كما قال فقد كان رجل سياسة وإدارة، وهو بين الناس في أشغالهم وأعمالهم فكأنه خشي أن يظهر عليه هذا الضعف، وهو في الحقيقة الذي تفرضه الأبوة الخالصة.وكتب الشاعر في كراسة ابنه عند جمع التواقيع في آخر العام الدراسي:
يذكر أمّ الفتى، وينصحه بعدد من النصائح:
ذُقْتُ في سنّك ما قد ذُقته / فحملنا اليُتْمَ طفلين معا لُذْتُ بالصّبر فَلُذْ أنتَ به / وتماسَكْ رُبّ صَبْر نَفعا واقطع العُمْرَ إذا اسْطَعْت رضىً / وابتساماً قبل أنْ ينقطعادانت الدنيا ورَفّت ودنت / لفتى كافح فيها وسعى!
قال لابنه إن أباك ذاق اليتم قبلك فاصبر له، ثم نصحه بأن يأخذ الدنيا على حالها بين مرّ وحلو، وأن يكثر من الرّضا بالحال والابتسام على التفاؤل بالحسن الآتي، ثم نصحه بالجدّ، والسعي، فإن الدّنيا تدنو (تقرب وتساعد) الذي يكافح ويَسْعى، ويبذل جهده.وكتب للصغيرة قطعة قال في آخرها:
تغيرّ الدهر بنا / والدهر ذو تغير يا قطعة من كبدي / تذكريها واصبري.
أ.د محمد رضوان الداية

