إزاء التباين الشديد في النظر إلى الاستشراق اختلفت الآراء حول مصداقية دراسات المستشرقين والأغراض التي سعوا لتحقيقها من وراء هذه الدراسات كما اختلفت النظرة إلى هؤلاء الناس بين مؤيد لهم ومعارض لدراساتهم..
فمنهم من يعتبرهم صادقين في أعماقهم حسني النية في استنتاجاتهم العملية ومنهم من يرونهم معول هدم للإسلام والقيم الشرقية وأدوات صالحة للتغلغل الاستعمار ي والنفوذ السياسي.
فما هي الحقيقة وسط كل ذلك؟ بعض المثقفين اعتبر المستشرقين جواسيس وعملاء ولا فائدة ترجى من أعمالهم مهما اتصفت بالموضوعية والحيادية وبعضهم الآخر غالى في قيمة أعمالهم ونفى عنهم كل تعصب واعتبرهم الوحيدين الذين قدموا خدمات جليلة للثقافة والحضارة الإسلامية والشرقية.
غير أن الرؤية السليمة والمنصفة تقتضى اتخاذ موقف وسط فلا ننظر إليهم نظرة تشاؤمية مليئة بالشك والظنون ولا نعتبرهم من أولئك الذين لا يتطرق الباطل والهوى إلى أعمالهم ولكنهم أناس درسوا الحضارة الشرقية، فمنهم المتعصب ومنهم المتسامح ومنهم من تقوده عاطفته .
وهواه إلى استنتاجات خاطئة ومنهم من كان الصواب إلى جانبه فقدم خدمات جليلة للإسلام والحضارة الشرقية. وعلى ذلك ووفق ما يذهب إليه الدكتور ساسي سالم الحاج في دراسته الموسوعية لهذه القضية فإن النظرة التشاؤمية لأعمال المستشرقين كان مرجعها تلك الأهداف والغايات التي سعوا إلى تحقيقها من خلال إنتاجهم.
فالفريق الذي لا يرى إلا الشر وسوء النية لديهم يبرر دعواه بأن هؤلاء الناس كانت لديهم دوافع دينية واقتصادية واستعمارية وسياسية وبذلك فهم عملاء للاستعمار وأعداء العروبة والإسلام وأن أهدافهم لا تخرج عن كونها التشكيك في صحة النبي صلى الله عليه وسلم وأن القرآن ليس كتابا سماويا وأن مصادره مستقاة من الديانتين اليهودية والنصرانية.
وقلة قليلة جدا من أولئك المستشرقين اتجهوا ببحوثهم إلى تحقيق أهداف علمية خالصة ومع ذلك فإنهم لم يسلموا من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق إما لجهلهم باللغة العربية وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها.
فيما يرى الفريق التفاؤلي أن المستشرقين قدموا خدمات جليلة للإسلام والحضارة الشرقية فهم الذين جمعوا التراث وحفظوه من الضياع وحققوا المخطوطات الإسلامية تخطيطا عمليا وأبرزوا للعالم ما للحضارة الإسلامية من رقي وسمو من خلال ما نشروه من هذا التراث نشرا يعتمد على أدق منهم للتوثيق والتحقيق .
كما أنهم عمدوا إلى القرآن والحديث فطبعوا كل ما يتصل بهما من جيد المؤلفات وفهرسوها وبوبوها ورتبوها ترتيبا عجز عنه علماء المسلمين كالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للمستشرق فلوجيل والمعجم المفهرس للسنة النبوية لجماعة من المستشرقين وإصدارهم للموسوعة الإسلامية التي تناولت بالبحث والتحليل جميع القضايا الإسلامية بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها. ولعل هذه الآراء المتباينة ترينا أهمية الاستشراق والدور الذي لعبه في مجال الدراسات الشرقية والإسلامية مهما تباينت أهدافه ومراميه.
