تحقيق الآمال فيما ارتضيناه من مهام عمل تباينت مواقعها يحتاج منا الى الإيمان بأن ما نسعى إليه يستحق ما نتكبده من أجله، وبأن ما حققناه من خطوات ولو محدودة على الطريق يستحق أيضا ما بذلناه للوصول إليه، وما سوف نقدمه مستقبلا بمشيئة الله من أجل استكمال تحقيق الأحلام والآمال شريطة أن نظل دائما قادرين على الحلم والتمسك به.
جديرة بالحياة لأن عطاءها كبير وتضحياتها عظيمة تعيش بها لغيرها من مرضاها على الأسرة البيضاء، الأمل لديها مضاد حيوي تداوي به الآلام وتطبب الجراح، ناهيك عن وجبة مقوية تدفعها للحياة في ليل الأيام الصعب، في أدائها لعملها (ملاك رحمة) كالأمثال، حكم قصيرة مستمدة من تجربة طويلة تؤمن فيها أن المهنة ليست سهلة .ويعوزها حسن التصرف في المواقف الصعبة دون تردد.رحلة هناء أحمد عبدالجليل مع التمريض بدأت في مصر مع إحدى صديقاتها التي حكت لها عن مدرسة التمريض التي التحقت بها وطبيعة الدراسة بها، ففكرت في الالتحاق بها سعيا،إيمانا منها بأضواء عالم التمريض الرحب لاسيما و المهنة إنسانية عظيمة مردودها المعنوي يفوق المادي كثيرا.
تتذكر هناء أول يوم تدريب عملي لها في أحد المستشفيات عندما أغمى عليها لدى إجرائها غياراً لمريض في يده (خراج) تأثرت بمشهده، وعند إفاقتها وجدت نفسها على السرير بدلا منه، وقتها لم تنم ساعة طوال تلك الليلة وتضرعت إلى الله أن يشد أزرها لأنها التحقت بكامل إرادتها بمدرسة التمريض حبا في مهنتها الإنسانية.هناء تستعيد ذاكرة هذه الأيام قائلة:
أول حقنة أعطيتها لمريض جعلتني أتخيل أن أي حالة وفاة في المستشفى سببها الإبرة التي أعطيتها للمريض فأهرول إلى غرفته للاطمئنان عليه، المهم تخرجت هناء ممرضة ترعى الأمومة والطفولة في قسم التطعيم.
في رحلة للبحث عن الذات جاءت هناء إلى الدولة وفي مخيلتها تساؤلات عدة تبحث لها عن اجابات علها تشفي غليل ارتباطها بتلك المهنة من بينها: هل طبيعة العمل في البلدين واحدة أم مختلفة؟، وسرعان ما وجدت نفسها وجها إلى وجه مع وظيفة ممرضة بمركز طبي خاص، ومنها إلى العمل بمستشفى البراحة.
تضيف هناء: أنسى بيتي ومشاكله عند دخولي المستشفى وأنسى المستشفى عند دخولي المنزل، لافتة إلى ان بشاشة وجهها والابتسامة التي لا تفارقها هما لغتها الرسمية في التعامل مع مرضاها تخفف بها آلامهم وهمومهم.
رمضان الفضيل يعني لهناء ثواب فضله العمل الجاد المخلص ابتغاء مرضاته تعالى، تتعامل في أيامه المباركة بميزان واحد مع المرضى بغض النظر عن دياناتهم وعقائدهم وجنسياتهم لا فرق بينهم.
مشيرة إلى ان افطار المغرب يكون داخل القسم في المستشفى بالتبادل مع زميلتها عدا لو كانت هناك حالة حرجة تستلزم تواجدهن معها حتى تستقر، موضحة أنها تتعامل مع الحالة متصورة أنه ربما أن تكون أمها أو أختها او ابنتها ما يستوجب رعايتها على الوجه الأكمل.
هناء تتذكر من بين من رعتهم بالمستشفى مريضا بقي في العناية المركزية ثلاثة أشهر وفي القسم الذي تعمل به تسعة أشهر، ولم يزره أحد طوال مدة علاجه بالمستشفى ما انعكس عليه نفسيا ولكنها استطاعت أن تعيد له ابتسامته وحبه للحياة بتحويلها مؤشر المذياع على محطة القرآن الكريم، ولكن القدر لم يمهله ففارق الدنيا، متأسفة لفراقه.
يحيى عطية- تصوير: خالد نوفل

