في سيرة حياة الزعيم الليبي، والعالم الإسلامي، والأديب العربي سليمان الباروني: نشأته، وأشواقه المحتدمة لطلب العلم، وعطاؤه السخي من جهده وعلمه وأدبه، في سبيل حرية وطنه، ونهضة أمته العربية والإسلامية. وفي سعيه الدؤوب، وتنقله الجسور عبر الحواجز والحدود.. في كل ذلك تتجسد صورة من أروع صور المفكرين والأدباء بلا حدود.

في مرحلة غروب شمس العهد العثماني، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وفي ليل القهر والاستبداد والتخلف الذي جثم على صدر الأمة العربية قرونا طويلة.وفي محنة الزحف الاستعماري النهم لاقتسام تركة «الرجل المريض»، واحتلال أقطار الوطن العربي.. في تلك الظروف الصعبة، بدأت تبزغ بعض النجوم المضيئة هنا وهناك في مختلف البلاد العربية بشائر بيقظة وطنية ونهضة قومية، تنقذ أوطاننا وشعوبنا من وهدتها، وتعيد بناء حياتها بالفكر المستنير والعلم الحديث.من هذه النجوم المضيئة في سماء الوطن العربي، نجم بزغ في ليبيا، وصار له شأن عظيم، كما استشرفت فراسة شيوخه وأساتذته، وتنبأت له إحدى العرافات الفرنسيات.وهو الزعيم المجاهد، والصحفي الشاعر الأديب بلا حدود. الشيخ سليمان الباروني.

ولد سليمان الباروني في ليبيا سنة 1870، ابنا للعالم الديني الشيخ عبدالله الباروني، الذي تمتد جذوره إلى أصول عمانية بربرية عريقة، والذي كان أول المناهل التي تلقى فيها ابنه سليمان معارفه الأولى، ثم طمحت نفسه إلى استكمال تعليمه في الحصنين الشامخين للعلوم الإسلامية:

»الزيتونة« في تونس، و»الأزهر« في مصر. فارتحل إلى تونس عام 1888 مزودا بوصية شعرية من والده، جمعت الحكم والنصائح التي يحتاج إليها المغترب في طلب المعالي ومنها قوله:

وبعد، فهذي لمعة أدبية

تقر بها عين الأديب المسافر

تعلم بني العلم وألزمه دائما

قرينا مع التقوى وفعل الأوامر

تعلم بني العلم فالعلم زينة

وذخر وفخر للفتي في المحاضر

وفي رحاب «الزيتونة» بتونس عاش الباروني خمس سنوات، رحل بعدها إلى مصر.حيث التحق بالأزهر الشريف، ودرس به ثلاث سنوات، اتصل خلالها بالامام محمد عبده، وأعلام الفكر والصحافة والأدب الذين كانت تزخر بهم مصر آنذاك.

وفي عام 1896 شد رحاله إلى وادي ميزاب بالجزائر، حيث مكث ثلاث سنوات متتلمذا على الشيخ محمد أطفيش، والشيخ محمد بن يوسف الميزابي، وهما يومئذ مرجع المذهب الاباضي.وهكذا بدا منذ البكور حب الباروني لطلب العلم، غير مبال بالحواجز والحدود.

وقد تجلى تفوقه مبكرا، وتفتحت مواهبه الأدبية والشعرية، ونما وعيه السياسي، وتأججت مشاعره وعزمه على العمل من أجل الإصلاح والنهوض بالوطن فلما عاد إلى وطنه، وراح يعبر عما تكنه نفسه، نقمت عليه السلطة العثمانية الحاكمة، وأخذ تتربص به شرا، واتهمته بالخروج على سلطة الدولة وحكمت بنفيه، ثم استجابت لبعض المساعي فعدلت الحكم إلى الإيداع بسجن القلعة، حيث عانى سنتين.

وبعد الافراج عنه تاقت نفسه إلى العمل بحرية في خدمة ما يؤمن به، ودفعته روحه المشفوفة بالترحال بلا حدود إلى السفر، فارتحل إلى تونس، والجزائر، وفرنسا، ومالطة، ثم وصل إلى مصر، التي استقامت له الأمور فيها، واستقر مقامه بها، وتهيأ له كل ما يتوق إليه.

في القاهرة أنشأ «جريدة الأسد الإسلامي» عام 1907، فكانت من أوائل الصحف التي حملت لواء فكرة الجامعة الإسلامية. كما أنشأ مطبعة لطبع صحيفته وكتبه، ومنها ديوانه، وكتابه »الأزهار الرياضية«.

وهكذا لمع اسم الشيخ سليمان الباروني في القاهرة، وتوثقت علاقاته بأعلام الإصلاح والنهضة والصحافة والأدب، وشحذت أجواء القاهرة الحميمة مواهبه، فكانت تلك الفترة أخصب فترات عطائه، وبخاصة في مجال الأدب والشعر.في ديوان الباروني الذي صدر بالقاهرة عام 1908، أودع الباروني أشعاره التي كتبها خلال تنقله عبر حدود الأقطار المختلفة.ومن ذلك قصيدته في وداع وطنه طرابلس الذي يئن تحت نير الاستبداد والتخلف، وقال فيها:

وداعا يا ديار العز حتى

أعود إليك في أهنا نهار

ألا يا قوم قد نمتم طويلا

وهمتم بالجهالة في البرارى

فهبوا واصدقوا فالصدق فيكم

عريق واحفظوا حق الديار

وإلا فالوداع، وكل قطر

به الإسلام يصلح للقرار

ومن ذلك أيضا قصيدة كتبها في الجزائر عن مدينة «تاهرت» ذات المكانة السامية في تاريخ البربر والاباضية والدولة الرستمية.

وفيها يقول:

بنى رستم من قام بالعدل ملكهم

فأمست بهم تاهرت كالروضة الزهرا

تحف بها الأنهار والزهر باسم

بروض بساتين هي الجنة الخضرا

أقاموا منار الدين دهرا وشيدوا

معالمه، واستسهلوا البر والبحرا

على أن أعظم أشعار الديوان حرارة وعاطفة، وقوة أسلوب، ما نظمه الباروني أثناء اقامته في «مصر العزيزة، مصر المضيافة الكريمة، مصر ملجأ الأحرار، وقبلة الباحثين عن حرية الأوطان» على حد تعبير الكاتب الليبي الكبير على المصراتي.

وقد عبر الباروني عن عاطفته الحارة تجاه مصر، وتناول أحداثها البارزة، وشخصياتها المهمة، ومن ذلك قوله في الزعيم الوطني مصطفى كامل:

طابت صفاتك مصطفى فتهللت

بك مصر وازدانت بحزب حافل

ومن ذلك أيضا حماسته للجامعة الإسلامية، ودعوته للنهضة والعلم وطرح التكاسل والتواكل والخرافات عن العقول بقوله

:

الله أكبر، هكذا الإسلام من قبل أمر

لكن جهلنا، وانتحلنا الزهد، فاشتد الخطر

ما ساد هذا الدين إلا بالمهند ذي الفقر

لا بالعزائم والضريح وبالطلاسم والطرر

أو بالدفوف وهزها عند العشية والسحر

أو بالقيان وبالمعازف والتكاسل والبطر

هيهات هذا، والوقائع شاهدات لا الخبر

ويتجلى ما أحاط بالباروني وغمره من الحب والتكريم في مصر، في الجزء الخاص بالتقريظ في ديوانه.

ومن ذلك قول شيخ الشعراء اسماعيل صبري له:

يا أفصح الفصحاء غير معارض

يا أبلغ البلغاء يا باروني

إن يدع الشعراء شأوك قل لهم

هذا المجال وها أنا باروني

ومن ذلك أيضا قول الشاعر امام العبد:

أمير المعاني والمعاني أوانس

إذا أسفرت أغنت عن القمر الساري

ولكل ذلك، لم يكن غريبا ان يخفق قلب الباروني بحب مصر، وأن يقول:

هويتك يا مصر وهل في الهوى صبر

وأنت التي يشفى بأدوائك الصدر؟

ويلخص المؤرخون الليبيون مشاعر الباروني بقولهم:

«طرابلسى الروح، عثماني الدعوة حتى لقب بشاعر الخلافة، مصري الاتجاه».

من مصر رحل الشيخ سليمان الباروني إلى الآستانة، حيث تعرف إلى الكثيرين من رجالات الشرق والغرب، وانتخب عام 1910 عضوا في «مجلس المبعوثان» التركي عن طرابلس.

وفي عام 1911 غزا الطليان ليبيا واحتلوها، فكان الباروني في مقدمة المجاهدين ضد الغزاة، وكان من رأيه ان الخلافة يجب أن تبقى قوية موحدة للمسلمين، حتى لو كان هذا الوالي أو ذاك الخليفة فاسدا. ومن الطريف أنه آلى على نفسه ألا يحلق شعره حتى يطهر الوطن من رجس الاستعمار، أو يلقى الله به. وقد بر بوعده وسجل ذلك شعرا.

ولما تغلبت قوة الطليان التجأ الباروني إلى تونس، ومنها إلى الآستانة.حيث أنعم عليه السلطان برتبة الباشوية. وفي سنة 1916 عاد إلى الوطن لتقلد الولاية على طرابلس وغيرها من المناصب، دون ان يتخلى عن الجهاد، حتى عام 192.

فلما تفاقمت الأحوال، عاد إلى الهجرة والترحال بلا حدود، وأخذ يجوب بلاد أوروبا والشرق، حتى حل بعمان. كان وصوله إلى عمان حدثا عظيما، لقي ترحيبا وتقديرا واحتفاء غامرا، واستبشر الناس، واتخذه الامام محمد بن عبدالله الخليلي ـــ امام عمان وقتها ـــ مستشارا ووزيرا.

وتبارى الشعراء في تحيته، عاقدين على علمه وفكره وخبرته الآمال، ومن ذلك قول الشاعر الإماراتي أحمد بن سليم:

هنت عمان بما حازته بلدان

إذ أحرزت بك فتحا يا سليمان

يا صفقة ربحت هذي البلاد بها

ورحمة كلها برّ وإحسان

ومن بديع ما أثني به على الباروني في عمان، قول الشاعر الاستنهاضي سليمان الكندي (أبو سلام):

يا بن عبدالله قد حزت المقام

إذ غدوت الآن ركنا للإمام

بك نلنا يا بروني المرام

ليس بدعا إن تكن حزت السما

كم روايات لنا عنك أتت

وأحاديث بصدق وردت

إنما أنت جحيم سعرت

إن نوى مستعمر سلب الحمى

يقول التاريخ: إن الشيخ سليمان الباروني ظل في عمان فترة، إلى جوار الامام، باعثا من روحه ومعارفه وتجاربه روح الإصلاح والنهضة.

إلا أن المرض هاجمه واستعصى علاجه في عمان، فاضطر إلى السفر إلى بومباي بالهند للاستشفاء.وفي بومباى، في الغربة بعيدا عن الوطن، قضى الزعيم المجاهد، الأديب الشاعر بلا حدود، سليمان الباروني، سنة 1940، وبذلك طويت صفحة فريدة من كتاب النضال العربي الذي لم يعرف الحواجز والحدود، تماما كالريح الطيبة، أو كشعاع النور، يسري في بلاد العرب والمسلمين.. بلا حدود.

عبد الوهاب قتاية