منذ عشرات السنين رست الكثير من سفن البحارة على سواحل مشيخات الساحل المهادن كما كان يطلق على دولة الإمارات من قبل، وزارها العديد من الرحالة الأجانب على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم وأهدافهم التي قدموا من أجلها إلى هذه البلاد، ودونوا مذكراتهم، وتركوا انطباعاتهم ورحلوا، ومنهم من جاب السواحل، ومنهم من توغل في أعماق الصحراء، السطور التالية تحمل بعضاً من آثار تلك الرحلات.
يعود الرحالة البريطاني برترام توماس الرائد الأول في عبور صحراء الربع الخالي ليتحدث مجدداً عن السمات العرقية والسلالات، ويورد معلومات في هذا الصدد كتبها الجنرال ميتلاند، المقيم السياسي البريطاني في عدن في ذلك الوقت «يذكر توماس أن معرفته بالمنطقة بدأت من عام 1915 إلى أن قام برحلته الأولى عام 1927».ويذكر د. جواد علي في مؤلفه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»: ان عرب شبه الجزيرة العربية ينحدرون على ما يبدو من أصلين مختلفين ومتميزين. فالنظرية السائدة عن قسمات العربي، هي انه الرجل الطويل اللحية الأملس الوجه كالصقر، غير ان عرب جنوب شبه الجزيرة اصغر قامة وأخشن تقاطيع وأكثر سمرة وغير ملتحين تقريبا، وتجمع كافة المصادر على أن عرب الجنوب ينحدرون من أصل حبشي.ومع ذلك فيبدو من الغرابة بمكان أن نقرر أن المصريين وعرب القارة الإفريقية هم العرب الأقحاح بين العرب الساميين، اما عرب الشمال فهم عرب مستعربة أي انهم عرب بالتجنس والاستيطان أكثر كونهم عربا بالسلالة.بل إن علماء التاريخ العرب والحديث أنفسهم يذهبون إلى ان العرب ينحدرون من أصلين: «قحطان وعدنان ومع ذلك فإن العرب الذين يقطنون الآن مناطق من شبه الجزيرة العربية من احد هذين الأصلين ينتمون في الواقع إلى سلالات متباينة».
وكما نرى هنا فإن «توماس» كرحالة اهتم بعلم الأنساب والسلالات وقبله كثير من الرحالة والعلماء الأوروبيين أمثال جليسر وبيرتون وراتنجز وبعده أيضاً من الباحثين المهتمين بعلم السلالات من السوسيولوجيين والانتروبولوجيين والاتنوغرافيين والآثاريين، فقد اهتم الغرب بهذا العلم لأهميته في رسم تصورات متكاملة عن شعب معين أو أمة معينة عاشت أو ورد ذكرها في كتب التاريخ.أو تحديد صورة مجتمع من المجتمعات البدائية منها أو الحديثة وعلاقة ذلك بحدث معين من أحداث التاريخ، هنا تنتفي التهمة الموجهة للعرب بأنهم أمة عصبية أي متعصبة لعرقها، أو هي أمة تعلي من شأن القبيلة أو ما إلى ذلك من التهم، والحقيقة أن البحث في أسباب عناية العرب بأنسابهم موضوع يطول الحديث فيه.
ولكن ما يهمنا هنا ان الدين شذّب عصبية العربي وان كانت عصبيته لا تعبر تعبيرا سلبيا عن «تفوق عرقي» بقدر ما كانت تعبر عن هوية وانتماء لقبيلة كانت تمثل للبدوي في صحراء مترامية الأطراف سلطة وحيدة يمكن ان تحميه وتحمي حقوقه ودمه قبل نشوء الدول التي يمكن ان يلجأ إليها طلبا للحماية. اننا نجد ان كثيرا من الأمم الشعوب الأخرى تنتمي إلى آباء وأجداد، وليس العرب وحدهم، فهيلين، هوجو دورس، ومنه اخذ الهيليون اسمهم هذا. وكان للرومان فالفرس وللهنود وللأوروبيين أجداد انتموا إليهم واحتموا بهم وتعصبوا إليهم على نحو ما نجده عند العرب و«الإسرائيليين» وبقية الساميين.
وكما اهتم توماس بعلم السلالات، اهتم أيضاً بتاريخ الحضارات التي كانت سائدة في منطقة شبه الجزيرة العربية، فيذكر ان الكتب والآثار المتخلفة في المناطق الجنوبية الغربية من الجزيرة تدل على وجود حضارات سبئية أو معينية قديمة قد اندثرت قبل ظهور الإسلام في القرن السادس بعد الميلاد. كما ان هناك آثاراً لمستعمرات إغريقية وآرامية، كذلك فقد تعرضت هذه المنطقة للغزو الحبشي والروماني خلال تاريخها.
ثم يتساءل: من يكون هؤلاء العرب يا ترى؟ ويكمل بالقول:«لو افترضنا ان الإجابة عن هذا السؤال من اختصاص علماء الأجناس، كما هو الأمر فعلا، فإن جمع الأدلة والمعلومات عن عرب الجزيرة العربية يعتبر أمراً مهما وعلى الأخص خلال هذه الرحلة التي أقوم بها».
وقد جمع بالفعل مجموعة من الجماجم البشرية القديمة وأرسلها إلى انجلترا لدراستها. ويروي كيف استطاع ان يحصل على جمجمة إنسان في غفلة من مرافقيه وجدها بالصدفة في كهف مهجور:
«أثناء رحلتي خلال عامي 1929-1930 كنت في منطقة حاسك، مررت بالصدفة بأحد الكهوف ويبدو أن بعض الحيوانات المتوحشة قد هاجمت ذلك الكهف في وقت من الأوقات وكان الوقت نهارا، ففكرت في التوقف في هذا المكان واخترت منطقة قريبة من الكهف ولم يعرف أي إنسان بأن الجمجمة التي كانت في ذلك الكهف قد انتقلت إلى خيمتي، ولكن عظمة الفك لم تكن في الجمجمة كما ان القسم الأكبر من الهيكل لم يكن موجودا. وقد أخذت هذه الجمجمة معي إلى مسقط، ومنها إلى كلية الجراحين الملكية في لندن».
عمار السنجري



