أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير, وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات.

صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان .ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

ولأن الخالق تفضل بكرم لا يبارى، فكان أن صنع المخلوق على عين الخالق.. فربما كان في هذا الصنع العبقري المعجز ما أودعه الخالق في صفة المخلوق من قدرة على الإبداع، وبهذه القدرة يتجدد وجه الحياة ويفهم الناس معنى تسخير موارد الخليقة بأسرها لما يعود عليهم بالخير والبركة والتجدد والنماء.

في ضوء هذه المعاني كلها رأينا أن نطوف خلال أيام الشهر الكريم في رحلة مع إبداع البشر عبر مسيرة من الكشف والابتكار.. ولكن فيما يعود بالخير على حياتهم. وفيما يكفل للناس مزيدا من السعادة.. الرفاه والأمن.. ما يخفف من وعثاء الحياة..وما يزيد وجه الحياة يسرا من بعد عسر: وراحة من بعد تعب.. وضياء من بعد ظلمات. ولأن مسيرة الإنسان في حياة هذا الكوكب المعمور مسيرة حافلة وطويلة.. فقد رأينا أن نقصر هذه السلسلة في الأحاديث على القرن العشرين على وجه التحديد..

ولقد نذكر من تراث الكاتب الكبير الراحل عباس محمود العقاد كتابا موجزا أصدره في مطلع حياته الفكرية بعنوان »القرن العشرون.. ما كان وما سيكون« وفي هذا الكتاب طاف الأستاذ العقاد بوعود شتى كان يبشر بها ذلك القرن المنقضي منذ سنوات قليلة لم تتجاوز بعد أصابع اليدين..

وعرض العقاد لما تهيأ للبشرية من إمكانات كانت مستجدة مع الردح الأول من القرن المذكور.. وجاءت على شكل مكتشفات ومخترعات جاد بها القرن التاسع عشر وكان في مقدمتها، كما هو معروف، طاقة الكهرباء التي اكتشفها توماس أديسون الأمريكي (1847-1931) وإمكانيات الأثير اللا سلكي التي تعرف عليها جوجليلمو ماركوني الإيطالي (1874-1937) وبديهي أن كلا من هذين الكشفين الخطيرين أسفر عما يمكن أن نصفه بأنه «ثورة» بالمعنى الكامل، سواء في مجال الطاقة أو الإضاءة أو القوى المحركة..

أو سواء في مجال التواصل الإنساني والتراكم المعرفي أو تثوير ميديا الإعلام وسبل النقل والاتصال.

بيد أن الأستاذ العقاد لم يغفل من ناحية أخرى عن أن يضع يده على أخطر ما كان يتربص بكل هذه الإنجازات البشرية الجليلة..

بل على ما كان يحدق بهذه البشرية من صنوف الأخطار التي تهدد حياتها وتؤرق مضاجعها، وقد تودي بكل ما استطاع البشر أن ينجزوه في مضمار التقدم وساحات الحضارة وصنوف العمران.. تلك هي الحرب القاتلة المدمرة الضروس..

حيث شهد ذلك القرن العشرون في مدى لا يزيد عن ربع القرن أكبر وأخطر وأفدح حربين عالميتين في التاريخ الحديث هما: الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ثم الحرب العالمية الثانية (1939-1945).. وفي غمار هذه الصراعات، الكوكبية كما وصفتها بعض الدوائر، أريقت دماء بغير حد.. وسقط الضحايا بالملايين من عسكريين ومدنيين وخيمت أشباح الموت.. الدمار..

الانهيار النفسي والمادي على بقاع شتى من أرجاء المعمورة. الحرب الأولى أسقطت كيانات إمبراطورية كانت صامدة للزمن على مر السنين ابتداء من إمبراطورية الهابسبورغ في النمسا والمجر.. وإمبراطورية الرومانوف في روسيا القيصرية وإمبراطورية الهوهنزلورن في روسيا وألمانيا – وليس انتهاء بالإمبراطورية التركية العثمانية في اسطنبول.. أما الحرب الثانية فقد انتهت بأكبر أحداث القرن العشرين شناعة وبشاعة وهو إسقاط أول قنبلتين ذريتين على كل من هيروشيما ونجازاكي في اليابان عام 1945.

مرة أخرى: ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير.. وكان الإنسان عجولا.. ومرة أخرى: ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.. وإذا كانت الحرب بكل بشاعتها هي من «اقتراف» الإنسان...فإن الحضارة بكل نصاعتها هي أيضا من «ابتكار» الإنسان.

ولكي نفتح ولو طاقة صغيرة ينفذ منها ولو بصيص من أمل.. فقد اخترنا أن نشيح النظر، في سياقنا الحالي، عن كوابيس الحرب..

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

كما قال يوما الشاعر الجاهلي القديم.

ومن واقع هذه الرؤية، اخترنا أن نقف عند أهم مخترعات الإنسان في سنوات القرن العشرين. نقدم من خلالها بما قد يسع المقام من التبسيط ما يتوافر أمامنا من معارف ومعلومات.. وقد نستقي من واقع ما نقدمه بعضا من عبرة وبضعة من دروس.

بيد أن مصطلح «مخترعات» لا ينبغي أن يقتصر فهمه على الاكتشافات ذات الطابع «الثوري» كما ألمحنا إليه في صدر هذه السطور، ولا على الوسائل والأدوات التي أحدثت نقلة أساسية.. أو هيكلية أو جذرية في حياة البشر إن احتياجات الناس كثيرة ومتنوعة بقدر كثرة وتنوع أغراض الحياة.. وبقدر ما غيرت الطائرة مثلا من سبل الظعن ومن أساليب الحل والترحال ومن مقاييس المسافات عبر يابسة البر وفرضة البحر المحيط فنحن نحسب أن التوصل.. مثلا.. مثلا.. إلى الشريط اللاصق (سكوتش تيب) أو حتى إلى القلم الجاف – الناشف كما يسميه البعض..

كان له أيضا دوره الملموس في حياة أهل زماننا.. سمّه: تطويرا أو تخفيفا أو تيسيرا أو إسعادا.. فكلها أحوال إيجابية.. ولو تدبرها أبناء الأجيال التي فتحت العين على وجودها في حياتنا.. ومن ثم اعتبرتها أمرا بديهيا، لأدرك القوم كم كان لها ولا يزال لها هذا الدور المهم والمرموق.

فلنتفق إذن على أن أهمية الاختراع إنما تقاس بما يلي:

* دوره في تيسير الحياة وتذليل ما كان يلاقيه الناس من صعوبات، أو تلبية ما قد ينشأ بين ظهرانيهم من احتياجات.

* الوجه الإيجابي بمعنى السمة البناءة التي لا بد وأن تتصف بها مخترعات البشرية مهما بدت للوهلة الأولى هيّنة أو رخيصة أو بسيطة.. فكل شيء له احتياج..وكل ما يسد هذا الاحتياج جيد وطيب ومفيد.

إن الأثر الكريم لم يتورع عن أن يضرب المثل بجناح البعوضة.. ومن ثم فلا جناح على البعض أن يضرب المثل بفائدة ورقة الكلينيكس التي ربما تكفل للناس سبل استخدام مناشف بسيطة ميسورة الاستبعاد بعد الانتفاع.

. زهيدة الثمن، صحيّة الاستخدام.

ولنتفق إذن على أن نقدم في كل حلقة من حلقات هذا المسلسل الثلاثين من أحاديث الابتكار الإنساني اثنين من المخترعات النافعة لحياة الناس توصلت إليها عقول المبدعين في غضون القرن العشرين.

ولنتفق بداية أن أي اختراع يتوصل إليه الناس.. لم يأت مجرد وحي من السموات فقد انقطع الوحي بخاتم الرسالات، ولكنه يأتي إلى الفرد في الغالب الأعم من خلال سلاسل متشابكة وتفاعلات متداخلة من قدح الذهن وتحصيل المعارف وعمق التعلم ودقة الملاحظة وجلد الممارسة وتكرار التجربة.

صحيح أن ثمة حالات تجود فيها السماء على عقل البشر بومضة تنوير أو حتى بلحظة إلهام.. ولكنها في رأينا تنتج في الأساس عن طول اجتهاد وشدة تركيز ومعايشة مجتمعات تفور بالمعارف وتتطلع إلى الابتكار وتشجع ناشئتها على التجديد في إطار مؤسسة فكرية وعلمية تحمل في كل مجتمع اسم «البحث.. والتطوير» (Research and Development) ثم إنها تشجع مجدديها ومخترعيها وتثيب على ما تجود به قرائحهم من إبداعات. ويبقى أن نؤكد أن هذا كله ما كان ليتحقق إلا بعد أن توصلت الإنسانية إلى ما نراه أهم اكتشافين في مسيرتها الحافلة الطويلة وهما:

أولاً: اكتشاف حروف الألفبائية حتى لا نقول «اختراع» الكتابة.. وكان في ذلك تطور.. ثوري حقا من مرحلة الكتابة بالصورة أو رسم المعاني بالأشكال على نحو ما درجت عليه مثلا هيروغليفية مصر القديمة وهي التي كانت بالضرورة تحفل بآلاف الحروف – الرموز التي تصور ما قد يعنّ للذهن البشري من المعاني والأفكار، والمهم أن تَوصَّل الإنسان إلى تخصيص حرف لكل صوت وكان ذلك منذ أكثر من 4000 سنة حيث شاركت في هذا الشكل الجديد من أشكال الكتابة الحضارات القديمة في العراق ومصر وبلاد الشام وبعدها انتقل نظام حروف الهجاء عبر البحر المتوسط إلى سائر أرجاء العالم القديم..

ثانياً: اختراع أسلوب الطباعة بالحروف المعدنية المتصلة وجاء ذلك كما نعرف على يد الألماني يوهان جوتنبرغ (1436-1438) وإذا كان الاكتشاف الأول قد حوّل الفكر والعلم البشري من طور الشكل - الصورة إلى طور الحرف – الكلمة المنطوقة ومن ثم إمكانية التسجيل والتدوين لوقائع الأحوال فقد جاء الكشف الثاني لينقل الحضارة ثوريا من عالم المخطوط اليدوي إلى دنيا المطبوع الآلي.

وسط هذا المخاض، ولد مجتمع التسجيل والتواصل المعرفي من جيل إلى جيل ومن حضارة إلى أخرى.. ما نصفه في أيامنا بأنه «مجتمع المعلومات» الذي يضع الإنسان الموهوب عند آخر نقطة توصل إليها سابقوه بحيث لا يبدأ كل مرة من نقطة الصفر وإلا تكررت بذلك أسطورة الرمز الروماني الشهير «سيزيف» الذي أمضى حياته يحرك صخرة لا تلبث أن تسقط من فوق الجبل وقد كتب عليه في كل مرة أن يحركها من جديد.

محمد الخولي