أهلاً رمضان.. لا نقولها تقليداً أجوف لا عمق له، إنما ينبغي أن يصدر هذا الترحيب بالشهر الكريم من قلوبنا، وينعكس ذلك تقوى حقيقية وصوماً يكون إيماناً واحتساباً لا مجرد الجوع والعطش والكف عن الشهوات.

بينما تكون الممارسات نهاراً وليلاً على عكس ذلك تماماً، إذ البعض منّا يحتفون بشهر رمضان كموسم للمسلسلات العديدة التي تشمّر عن سواعدها قنواتنا الفضائية من قبل شهور وتتنافس فيها منافسة يا ليتها كانت تقود للتقوى والعمل الصالح.

وبهذا الأسلوب يكون استقبالنا في كل عام لهذا الزائر الكريم ونخرج من أيامه المعدودات ــــ للأسف الشديد ــــ صفر اليدين لا نجني منه حصاداً طيباً.

هل وقفنا بفهم وتدبر عند قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» سورة البقرة ــــ الآية 183.

ويلاحظ أن الآية الكريمة تبدأ بالنداء من رب العالمين للذين آمنوا، ونحن نعلم علم اليقين معنى الإيمان فلماذا لا نلتزم به ونجعله يضعف في هذه الملذات الفارغة وهذه الشهوات التي لا تفيد شيئاً؟ وتختتم الآية بقوله تعالى «لعلكم تتقون» أي أن الغاية من الصوم هي التقوى، فهل من يسهر ليلة مع التلفاز يتنقل من مسلسل إلى آخر أو في المقهى ثم ينام عند صلاة الفجر يكون قد حقق الهدف من صومه، أم يكون حظه من هذا الصوم الجوع والعطش؟

هذا ليله، وأما نهاره ففي اغتياب هذا أو المشي بالنميمة أو الغش والخداع في البيع والشراء أو غير ذلك من الأمور الدنيوية. إن التقوى ــــ أيها الأحباب ـــ نلتمس معانيها المتعددة في كتاب الله ــــ إن كنا نتلوه حق تلاوة ــــ فهي وصية الله لنا وللذين أوتوا الكتاب من قبلنا. قال تعالى: «ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله» سورة النساء ــــ الآية 131. وهي مفتاح الخروج من كل مأزق وتيسير الرزق. قال تعالى:

«ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب» سورة الطلاق ــــ الآيتان 2 ــــ 3. والتقوى ــــ ثمارها عديدة ـــــ كما بيّن المولى عز وجل ــــ كقوله سبحانه «إن للمتقين مفازا» سورة النبأ ــــ الآية 31. وقوله: «إن المتقين في جنات ونعيم» سورة الطور ــــ الآية 17.

وقوله: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين» آل عمران ــــ الآية 133. والآيات الواردة في هذا السياق عديدة في كتاب الله.

فإذا كان هذا هو شأن التقوى ــــ أخي الكريم وهذه هي جوائزها السخية من الخالق عز وجل ووعده الصادق، فلماذا نترك هذه الحوافز تفلت من بين أيدينا، فيما لا نفع من ورائه، وأن شهر الله الكريم باب إلى هذا الخير الكبير.

وما على المتسابق فيها إلا الامتثال لأوامر الله واجتناب النواهي، والإخلاص في الصوم طريق مؤدية دون شك إلى هذا الفوز العظيم، وهذه الطريق ــــ كما يقول الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد ــــ هي ما يكون عليه حال الصائم من المراقبة الدائمة لمولاه بقلبه وجوارحه، في حال خلوته مع نفسه أو حاله مع غيره، إذ يتذكر دائماً أنه صائم حتى وإن أسيء إليه فإنه لا يقدر على أن يزيد على قوله «إني صائم».

وإننا إذا التزمنا هذا الهدي نكون قد شكرنا للمولى عز وجل وتيسيره لنا في جميع نسكنا، فالمريض والمسافر حينما يكون في الصوم مشقة لهم فقد رخص لهم في أيام أخر حتى زوال هذه الموانع، فهل من رخصة أفضل من ذلك.

قال تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون». سورة البقرة ــــ الآية 185.

وهذا الشكر لله ــــ على ما يسر لنا ــــ لا يكون إلا بالصوم على النحو الذي يرضي الله ورسوله باتقاء المحارم وحفظ حدود الله، فهذا هو الشكر للمنعم المتفضل. ومن نعم الله علينا أنه سبحانه وتعالى الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء وكتبها للمتقين يجازي أيضاً على الشكر له. قال تعالى: «وإن تشكروا يرضه لكم» سورة الزمر ــــ الآية 7.

وقال: «وسيجزي الله الشاكرين» آل عمران ــــ الآية 144. وقال سبحانه وتعالى: «وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد» سورة إبراهيم ــــ الآية 7.

أرأيتم إن هذا الشكر يعود بالكسب علينا فبه نحرز الخير لأنفسنا «ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم» سورة النمل ـــــ الآية 40.

والصوم الصحيح إيماناً واحتساباً يحقق مبدأ الشكر للبارئ عز وجل، أفلا نكون من العباد الشاكرين لله؟ هذا شهر الخير والرحمة. وإن لله نفحات ينفحنا بها، الصلوات والزكوات والصدقات وصوم شهر رمضان والحج، كل ذلك نفحات فهلا تمتعنا بها على الوجه الأمثل؟

محمد الطيب عربي