يعتز المسؤولون عن المتحف البريطاني أشد الاعتزاز باحتواء المتحف على قطعة فريدة من العملات الإسلامية النادرة ضربت من الذهب الخالص في مكة، يعتقد أنها ضربت في القرن الثامن، وتحمل على كل وجه من وجهيها إحدى الشهادتين، وهي تمثل إحدى أقدم الصلات بين الإسلام وبريطانيا، جنباً إلى جنب مع العديد من الصلات الأخرى التي يعود بعضها إلى الحروب الصليبية فيما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر.

وهناك ذلك الدفق الهائل من العلوم والمعارف الذي تدفق إلى بريطانيا من مراكز الإشعاع الفكري الإسلامية وبصفة خاصة عبر ترجمة عيون الأعمال الإسلامية في الطب والعلوم إلى اللغة اللاتينية، وعندما أنشئت جامعتا أكسفورد وكامبردج في القرن السابع عشر حرصتا على تأسيس كراسي في اللغة العربية وفقهها وآدابها، كانت الإمبراطورية البريطانية تضم عدداً كبيراً من المسلمين، واشتهر لورد سالزبوري رئيس الوزراء البريطاني في العهد الفيكتوري بمقولته المدوية: إن بريطانيا هي أعظم قوة إسلامية على وجه الأرض!

ومن المعتقد أن عدداً صغيراً من المسلمين قدم إلى بريطانيا في هذا الإطار وأخذ في التزايد، وفي القرن التاسع عشر استقر بحارة مسلمون قدموا إلى بريطانيا من اليمن في جماعات صغيرة في مدينتي ليفربول وكارديف. ولكن في أواخر الخمسينات من القرن العشرين فحسب بدأت أعداد كبيرة من المسلمين في القدوم إلى بريطانيا في إطار الجهود المبذولة لتعويض النقص الذي كانت بريطانيا تعاني منه في الأيدي العاملة، وبصفة خاصة في مجالات الصناعة والرعاية الطبية والتعليم والنقل والمواصلات.

أرقام ودلالات

يشير الإحصاء السكاني الذي أجري في بريطانيا في عام 2001 إلى أنه كان في بريطانيا آنذاك 1.6 مليون مسلم على الأقل، وهناك مؤشرات عديدة إلى أن الرقم الآن يدور في فلك المليوني نسمة.وحسبما يشير الإحصاء نفسه أيضاً، فإن معظم المسلمين في بريطانيا يقيمون في لندن وحولها، ويصل عددهم هناك إلى حوالي 600000 نسمة، يتحدثون أكثر من 50 لغة وإجمالاً فإن 38% من مسلمي بريطانيا يقيمون في عاصمة الضباب وهناك عشر ضواح لندنية تضم 20 ألف مسلم، أكثرها كثافة هي «تاور هاملتس» عند طرف لندن، وهي تضم 70 ألف مسلم، ينتمي معظمهم إلى أصول بنغالية.

وفي مناطق أخرى من بريطانيا، فإن ذوي الأصول الباكستانية هم الأكثر انتشاراً بين مسلمي برمنغهام الذين يصل عددهم إلى 140 ألف مسلم وبين أي 75 ألف مسلم الذين يقطنون في برادفورد. وتقيم أعداد كبيرة من المسلمين كذلك في بلاكبرن، برنلي، ويوسبري، ليدز، مانشستر وأولدهام وجلاسجو.وبحسب إحصاء 2001 أيضاً فإن مليوناً من مسلمي بريطانيا هم من أصول تعود إلى باكستان وبنغلاديش والهند، ومعظمهم من السنة.

وان كانت نسب السنة والشيعة في صفوفهم غير معروفة على وجه الدقة، ومعظم المهاجرين الذين يصلون إلى بريطانيا اليوم يأتون من باكستان، بنغلاديش، تركيا، نيجيريا والجزائر، ولكن أحدث المسلمين توافداً على بريطانيا يأتون من أفغانستان والجزائر والبوسنة والعراق وكوسوفو والصومال.

وهي في الجوهر الأساسي بلاد شهدت الكثير من الصراعات العاصفة.

وتنتمي الغالبية الكاسحة من الـ 660 ألف مسلم الذين قدموا إلى بريطانيا من باكستان في إطار الجيل الأول من المهاجرين إلى مناطق ريفية في كشمير وبصفة خاصة منطقة تدعى ميربور.

وقد جاءوا إلى بريطانيا أساسا للعمل في صناعة النسيج والكثير من المناطق التي قدموا منها لا تزال حتى اليوم تفتقر إلى عناصر البنية الأساسية المميزة للحياة الحديثة مثل الماء والكهرباء والمدارس والرعاية الصحية وفرص العمل.

وقد اعتنق الإسلام من أبناء بريطانيا حوالي 14200 نسمة أي ما يعادل 1% من إجمالي سكان بريطانيا.وهم حريصون على السعي إلى من يفقههم في الدين الذي اعتنقوه.

متاعب العمل والتعليم

يعد المسلمون من بين الأقليات الأقل نجاحاً في مجالي التعليم والعمل في بريطانيا، وإذا قورن المسلمون في بريطانيا بإجمالي سكانها فإنهم يعانون من البطالة على نحو يزيد بثلاثة أمثال ما يتعرض له السكان بصفة عامة، فنسبة البطالة في صفوف المسلمين هي 15% مقارنة بنسبتها بين إجمالي السكان التي لا تتجاوز 5%، والمسلمون يحتمل بشكل أكبر أن يقيموا في أماكن تعاني من الحرمان حيث يقدر أن 15% من المسلمين يقيمون في المناطق والأحياء الأكثر حرمانا ومعاناة مقارنة بنسبة 4.4% في حالة إجمالي السكان، وفي أكثر من 60% من بيوت المسلمين فإن من يكسب لقمة عيش العائلة هو من ذوي الدخول المنخفضة.

ويعتبر إجمالي أداء الصغار المسلمين في المدارس أقل من المتوسط البريطاني العام، ولكنه آخذ في التحسن ويلفت النظر أن البنات يتمتعن بأداء تعليمي أفضل من الأولاد، وهناك مؤشر إلى الأوضاع الراهنة في هذا الميدان يتمثل في أن واحداً من كل اثنين من الطلاب المسلمين يدخل الآن مرحلة تعليمية أخرى أو مرحلة تعليمية أعلى مقارنة بنسبة 38% فيما يتعلق بالسكان البيض، وحسب إحصاءات دائرة العمل والمعاشات فإن 76% من الخريجين المسلمين ممن هم في سن العمل يشغلون وظائف بالفعل مقارنة بنسبة 87% للخريجين من السكان بصفة عامة.

آفاق من نور

تضم بريطانيا الآن 1600 مسجد على الأقل، والمساجد في بريطانيا ليست فقط أماكن لإقامة الصلاة وإلقاء المحاضرات والدروس الدينية، وإنما هي مراكز لأنشطة أوسع نطاقاً بكثير، فهي معاقل لرسائل الأجهزة الإعلامية باللغة الانجليزية، وهناك جهود للتطوير والتنمية تبذل انطلاقا منها، تتصدرها الجمعيات الخيرية الإسلامية البريطانية الثلاث الرئيسية وهي:المعونة الإسلامية، الغوث الإسلامي، والأيدي الإسلامية، والتي تقوم كذلك بدور في التنمية الدولية.على صعيد آخر، فإن لندن تعد مركزاً من عدد محدود من المراكز التي تنتشر فيها أنشطة صناعة التمويل الإسلامية التي تبلغ قيمتها 250 مليار دولار، وهناك أيضا حوالي 130 مدرسة تديرها صناديق إسلامية خيرية، وان كان الكثير منها محدود الموارد.

وللمسلمين في بريطانيا نصيبهم من التحديات، إلى جوار وجود من يمثلهم في مجلس العموم واللوردات والمجالس المحلية، وعلى سبيل المثال فإن البيوت التي تنتمي إلى جنوب آسيا وبصفة خاصة ذات الأصول الباكستانية والبنغالية يمكن أن يميل الأب فيها إلى التعامل مع أبنائه ليس من خلال الحوار وإنما من خلال سلطته الأبوية.

وغالباً ما يرى أن الحقوق الخاصة بالعائلة والالتزامات حيالها أكثر أهمية من اهتمامات الأفراد، ومن هنا تنشأ أشكال من التوتر عبر هوة الأجيال هذه التي قد يفاقمها الاختلاف في اللغات، حيث يميل الأبناء إلى الحديث باللغة الانجليزية كلغة أولا، فضلاً عن الخلافات المتعلقة بالمواقف من الزواج.

وقد أدت المخاوف حول تفاقم هذه المشكلات إلى إنشاء خطين هاتفيين على المستوى القومي للمساعدة، أحدثهما خط مساعدة الشباب الإسلامي، ومقره لندن.

المشاركة بقوة

حتى أواخر التسعينات، اختار العديد من المؤسسات الاجتماعية والجماعات التطوعية الإسلامية في بريطانيا العمل داخل الأقلية المسلمة وباستقلال عن المجتمع البريطاني في مجملة. وقد كانت لهذا أسباب وجيهة، منها على سبيل المثال أنها لم تلمس أي اهتمام من المنظمات البريطانية العامة أو الخاصة أو الخيرية بالعمل الذي تقوم به، وبالتالي لم تشعر بالحاجة إلى التنسيق مع المنظمات البريطانية المناظرة لها.غير أن المشروعات التي تقتضي الشراكة بين المسلمين وغيرهم بدأت تبرز بصفة ملحوظة بعد انتخابات عام 1997 .

وتم التعجيل بانطلاقها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات لندن في 7 يوليو 2005، وبعد هذه التفجيرات الأخيرة دعت الحكومة البريطانية 100 من الشخصيات الإسلامية البارزة إلى تشكيل 7 مجموعات أطلق عليها اسم «منع التطرف سويا» وطلب منها تقديم توصياتها التي من خلالها يمكن الاستجابة للاهتمامات المشتركة.

وأقيمت بعض الأنشطة المشتركة بين المسلمين وغير المسلمين التي قصد بها تصوير الإسلام من منظور المسلمين أنفسهم بما في ذلك أسبوع الوعي بالإسلام، وهو عبارة عن أنشطة احتفالية تنظمها بشكل أساسي جمعية بريطانيا الإسلامية.

ولكنها تحظى أيضا بدعم من الحكومة، وكانت هناك أيضاً جائزة التميز في الأخبار الإسلامية وهي فعالية سنوية تسعى للتعريف بالدور الإسلامي في المجتمع البريطاني وتحظى الجوائز بالدعم من الدوائر الرسمية والصناعة والمؤسسات البريطانية مثل جهاز الشرطة.

وهناك نوعية ثانية من المشاركة من خلالها يسعى مسلمو بريطانيا إلى التعريف بإسهاماتهم في الحياة في بريطانيا، وأبرزها المشاركة في التحالف لإيقاف الحرب.

هذا عن المشاركة من الجالية المسلمة في بريطانيا في الحياة العامة، ولكن ماذا عن دور المسجد على وجه التحديد؟

كامل يوسف حسين