هذا المفكر الرائد، والزعيم المجدد، والأديب صاحب الكلمة الموقف، كان بحق ثورة تسعى على قدمين بلا حواجز ولا حدود بين البلاد والأقطار.. ثورة تدعو إلى يقظة المسلمين بخاصة والشرق بعامة، من سبات الجمود والتخلف، إلى رحابة التحرر من الاستعمار والاستغلال والاستبداد، وإلى أنوار التقدم والحضارة، إنه باعث اليقظة في الشرق، ورائد نهضته، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، السيد جمال الدين الأفغاني.

يجمع المؤرخون والدارسون للتطور الفكري والسياسي الحديث للشعوب العربية والإسلامية، على أنها جميعا مدينة بنهضتها الفكرية والسياسية الحديثة، لجمال الدين الأفغاني، في الإصلاح والتجديد الديني، كانت تجسيداً لفهم الإسلام على حقيقته الصافية، وفطرته النقية، الخالصة من الأوهام والخرافات التي أدت إلى تخلف المسلمين، وفي النهضة الفكرية، كانت تجسيدا لقضية تنوير البصائر بالعلم، وتحرير العقول من قيود الجمود والتقليد، وفي العمل السياسي، كان تجسيداً لرسالة استنهاض الهمم الوطنية، واستثارة روح العزة والكرامة والحرية والاتحاد، في البلاد الإسلامية والشرقية، عنه قال أصفى مريديه، وأنجب تلاميذه وأصدقائه، ورفيق جهاده، الإمام محمد عبده: «إني لو قلت إن ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة، هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء، لكنت غير مبالغ. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم».

وعن أثره في الثقافة والأدب يقول المفكر والأديب أحمد أمين: «كان الأدب عبد الأرستقراطية، لا هم له إلا مدح الملوك والأمراء، والتغني بأفعالهم وصفاتهم مهما بلغ من ظلمهم..

فأتى جمال الدين فسخر الأدب في خدمة الشعب، يطالب بحقوقه، ويدفع الظلم عنه، ويهاجم من اعتدى عليه كائنا من كان. يبين للناس سوء حالهم ومواضع بؤسهم، ويبصرهم بمن كان سبب فقرهم، ويحرضهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور، وألا يخشوا بأس الحاكم، فليست قوته إلا بهم، ولا غناه إلا منهم، وأن يلحوا في طلب حقوقهم المغصوبة، وسعادتهم المسلوبة»..

وعن نفسه قال الأفغاني ذاته: «لقد جمعت ما تفرق من الفكر، ولممت شعث التصور، ونظرت إلى الشرق وأهله، فاستوقفتني الأفغان وهي أول أرض مس جسمي ترابها، ثم الهند وفيها تثقف عقلي، فإيران بحكم الجوار والروابط، فجزيرة العرب:

من حجاز هو مهبط الوحي، ومن يمن وتابعتها، ونجد، والعراق وبغداد وهارونها ومأمونها، والشام ودهاة الأمويين فيها، والأندلس وحمراؤها، وهكذا كل صقع ودولة من دول الإسلام وما آل إليه أمرهم. فالشرق الشرق.

فخصصت جهاز دماغي لتشخيص دائه، وتحري دوائه، فوجدت أقتل أدوائه داء انقسام أهله وتشتت آرائهم، واختلافهم على الاتحاد، واتحادهم على الاختلاف. فعملت على توحيد كلمتهم وتنبيههم للخطر الغربي المحدق بهم».

في سنة 1838 بدأت حياة الأفغاني التي قدر لها أن تكون ترحالاً بلا حدود في جهات الدنيا الأربع. كان ذلك في قرية أسعد أباد من أعمال كابل ببلاد الأفغان، في بيت شريف لعشيرة كبيرة ذات مقام وسيادة وأصول عربية تتصل بالمحدث الشهير الإمام الترمذي، الذي يرتقي إلى الإمام الحسين رضي الله عنه.

ومنذ الصبا الباكر، تجلت مخايل الذكاء وتوقد القريحة، فبرع في علوم اللغة العربية، وتفوق في الأدب والإنشاء، والتاريخ، والشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول وكلام وتصوف. ثم سافر إلى الهند حيث درس علوم الرياضة والمنطق ونظريات الطب والتشريح والفنون العسكرية.

وبالجملة، صار مثقفا موسوعياً في علوم التراث والعلوم الحثيثة.

وفي شبابه، شارك إلى جانب السلطان محمد أعظم في أحداث الصراعات التي اجتاحت وطنه، لكن مؤامرات الاستعمار البريطاني في المنطقة انتهت بهزيمة السلطان ولجوئه إلى إيران، واضطر جمال الدين إلى فراق وطنه.

واتجه إلى الهند، حيث راح ينشر الوعي بين طوائف الشعب الهندي، كاشفا دسائس الاستعمار واستغلاله. وما هو إلا شهر واحد حتى أمرته سلطة الاحتلال بمغادرة الهند، ووضع على ظهر سفينة متجهة إلى ميناء السويس، ومنها اتجه إلى القاهرة.

كان وصول الأفغاني إلى القاهرة عام 1869.

وفي خان الخليلي، الحي الشعبي العريق، أقام أربعين يوماً، كانت كافية لأن يجمع حوله قلوب صفوة العلماء والشباب المثقف، وذلك بمعارفه الواسعة، وفضائله الجمة، وشخصيته الآسرة، ودعوته النبيلة لنهضة المسلمين والشرق.

ومن القاهرة ارتحل إلى الآستانة، تلبية لدعوة الخليفة العثماني الذي أحسن استقباله وأكرمه وعينه.

بمجلس المعارف لإصلاح مناهج التعليم. لكن بعض علماء الدين المتزمتين ضاقوا بدعوته، فتآمرا وغيروا الخليفة عليه، فأمر بمغادرته تركيا.

واختار الأفغاني العودة إلى مصر، التي رأى فيها التربة الصالحة لبذر أفكاره، والتي وصفها بأنها أحب بلاد الله إلى نفسه. فوصل إليها عام 1871 .

وهي أنضج ما تكون حاجة إليه، وتهيؤا لأفكاره.

وعلى امتداد أكثر من ثماني سنوات متصلة، احتضنت مصر جمال الدين الأفغاني، نهلت فيها عقول النخبة من أبنائها من نبعه الثر، وسرت في دمائهم أفكاره وحماسته.

وشبت في حناياهم ثورته.كان بيته في خان الخليلي، ومجلسه في «قهوة البوستة» قرب «العتبة الخضراء»، مدرسة تخرج فيها صفوة الوطنيين الذين قادوا فيما بعد مسيرة النضال والنهضة، وفي طليعتهم الشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وقاسم أمين، ومحمود سامي البارودي، وعبدالله النديم، وأديب إسحاق، وسليم نقاش..في مجالس الأفغاني دوى صوته المبين بمثل قوله:

«وعزة الحق وسر العدل، إنكم معاشر المصريين قد توالت عليكم قرون، منذ زمن الملوك الرعاة، وأنتم تحملون نير الفاتحين.. تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون. وتنتزف قوام حياتكم ومواد غذائكم المجموعة بما يتحلب من عرق جباهكم بالمقرعة والسوط وأنتم في غفلة.. عجيب لك أيها الفلاح، تشق الأرض بفأسك باحثاً عن رزقك، لماذا لا تشق بهذه الفأس صدور ظالميك» ؟!

ومع تفاقم أوضاع الاستبداد والتدخل الاستعماري، وتجمع نذر الثورة العرابية، قبضت السلطة فجأة على جمال الدين، وبسرعة حملوه إلى سفينة أخذته بعيداً عن مصر، إلى الهند.

كان خروجه الأخير من مصر عام 1879 بداية ترحاله الطويل بلا حدود في أنحاء العالم، شريداً كما قال: ثلاث سنوات في الهند، ثم لندن فباريس حيث التقى بالمنفى الآخر الشيخ محمد عبده، ليواصلا رسالتهما التنويرية والثورية بمجلتهما «العروة الوثقى»، ثم إيران سنة 1885 بدعوة من الشاه، ثم روسيا مدة أربع سنوات، ثم ألمانيا، ثم إيران مرة أخرى، حيث تغير عليه الشاه، وأمر بإخراجه مكبلاً مريضاً، وإلقائه على حدود البصرة، حيث أواه وحنا عليه واليها مدة سبعة أشهر، بعدها رغب في السفر إلى الجزيرة العربية فلم يوافق السلطان، فارتحل إلى لندن، وفيها ألح عليه السلطان ورسله كي يأتي إلى الآستانة، فسافر إليها ــ سفرته الأخيرة ــ سنة 1893.

في الآستانة بدأت حياته مقربا من السلطان، لكن مواقفه الثورية، وأفكاره الجريئة، سرعان ما أوغرت صدر السلطان وعلماء الدين المتزمتين. فقاطعه السلطان، وشددت عليه الرقابة، ومنع من السفر، فعاش كالسجين في بيته.

وفي صباح الثلاثاء التاسع من مارس سنة 1897، قضى المفكر والأديب بلا حدود جمال الدين الأفغاني نحبه، متأثراً بمرض السرطان في فكه.

وبعملية جراحية أثير حولها كثير من الريبة عن تعمد إخفاقها.مات الأفغاني، ولم يشيعه إلا أفراد معدودون غلبتهم الجرأة والوفاء، ومنعت الجرائد من تأبينه.

مات بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس. بحق، وبذر الثورة في ضمائرهم في كل أقطار العالم الإسلامي، وحاور أعلام عصره من الحكام والمفكرين والفلاسفة والأدباء، من كل جنس. وباللغات الثماني التي جرت على لسانه.

عبد الوهاب قتاية