تابع الدنيا بأسرها، وليس الدوائر المعمارية العالمية وحدها، التألق التاريخي النادر الذي يعيشه موقع مسجد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الجامع الكبير في نورانية الافتتاح الذي يتطلع إليه المسلمون في مشارق الدنيا ومغاربها، منذ دخوله مرحلة التصميم في عام 1996 ثم في انطلاق جهود تشييده ابتداءً من عام 1998 وحتى اليوم.

تعبِّر المهندسة خولة سالم السليماني مديرة إدارة المشروع عن مشاعر الكثيرين من الاختصاصيين الذين منحوا سنوات من أعمارهم للمشاركة في إكمال هذا الصرح المعماري والديني الفريد.

في لقائنا معها في مكتبها بموقع المشروع بالقول إنه كان من المستحيل لأي شيء يُقال عن هذا المسجد الجامع أن يعبر عن طابعه الصرحي الهائل، وإن الافتتاح وحده هو الذي يمكن أن يطلع الأبصار والبصائر والقلوب على طبيعة هذا المسجد، الذي اختار موقعه ووضع تصوّره والفكرة الكامنة وراء تصميمه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وحرص على متابعة تصميمه وتنفيذه وإطلاله تحت آفاق هذا الموقع الذي يشمخ فيه، مرتفعاً تسعة أمتار كاملة عن مستوى الأرض المحيطة به والتي ستغدو في قلب أبوظبي مع استكمالها لامتدادها العمراني وتواصلها مع المناطق القريبة منها.

وتضيف أن الفنيين المسؤولين عن العمل في المشروع آثروا أن يتركوا لتكامل تنفيذه ولمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في اسطنبول أن يعلنا للعالم الحقيقة الواضحة.

وهي أن هذا المسجد الجامع هو ثالث أكبر مسجد في العالم، بعد الحرمين الشريفين، وأن قبته الرئيسية التي يبلغ وزنها ألف طن هي أعلى قبة مسجد في العالم، حيث يبلغ قطرها 32.8 متراً، ويصل ارتفاعها من الداخل إلى 70 متراً، ويبلغ ارتفاعها من الداخل 83 متراً.

وتؤكد المهندسة خولة السليماني أن الطابع الصرحي الهائل للمسجد الجامع يتجلى كذلك من خلال استيعابه في إجمالي مساحاته، في أوقات ذروة الاستيعاب، العدد الإجمالي من المصلين يصل إلى 40960 مصلياً، وهي تلفت النظر إلى أن المسجد يجمع بين أحدث التطورات التقنية والمعمارية وأرقى المواد وأفضل أساليب التشغيل، ويلقي الضوء على التطور المعماري الكبير الذي تشهده الإمارات اليوم، بما في ذلك الحرص على توظيف أحدث نظم الإضاءة، وفي مقدمتها الثريات السبع العملاقة الفريدة من نوعها في العالم، التي تتألق في قاعة الصلاة الرئيسية بالمسجد.

وبدوره يوضح مبارك المزروعي رئيس اللجنة الإعلامية ببلدية أبوظبي أن جهوداً مكثفة قد بُذلت لإلقاء الضوء على العمل الهائل، والمكثف، الذي تواصل على امتداد ما يزيد على عقد من الزمان، ليطل المسجد الجامع بالشكل الذي يراه العالم كله اليوم.

وأشار إلى تبني التقليد الحضاري النبيل المتبع في أكبر مساجد العالم، وهو إصدار كتاب توثيقي شامل، يعرِّف قراءه بمختلف الجوانب الإبداعية والفنية والمعمارية في هذا المشروع، بما في ذلك الجوانب المتعلقة بالتصميم والتنفيذ والزخرفة واستكمال العناصر العملية والجمالية، بما في ذلك اللمحات المدهشة التي ينفرد بها هذا المسجد الجامع عن أي مسجد آخر في العالم.

وقال مبارك المزروعي في لقاء معه: إن من أهم هذه الجوانب الألياف البصرية المضيئة التي تجعل أسماء الله الحسنى تتألق بنور فريد في حائط القبلة، والسجادة الموجودة في قاعة الصلاة الرئيسية، والتي نُسجت في إيران خصيصاً للمسجد، والثريات السبع التي تتألق في هذه القاعة والزخارف والنقوش الموجودة فيها وفي الأروقة الخارجية.

وفي جولة شاملة لــ «أنوار رمضان» مع المهندس هشام شحادة، الذي أمضى سنوات طويلة من عمره في العمل في هذا المشروع، في أرجاء المسجد الجامع، حرص على الإشارة إلى أن كل ركن ومنعطف وملمح في المسجد يضم عنصراً فريداً يميزه عن مساجد العالم الكبرى الأخرى، الأمر الذي يجعل من المهم بالنسبة لكل من يحظى بالإطلالة عليه ودخوله أن يميز بين جانبين يعكسان المرحلتين الأساسيتين في إنشاء المسجد:

أ- المرحلة الأولى: وقد شملت هذه المرحلة أعمال الإنشاءات الأساسية بما في ذلك الأساسات والخراسانات، والتي جرى خلالها إدخال عدد من التعديلات التي كفلت المزيد من التوسع والتعزيز لأبعاد المشروع.

ب- المرحلة الثانية: وقد شملت التشطيبات الخارجية والداخلية والتكسية بالرخام والأحجار المميزة، بالإضافة إلى أعمال هندسة الحدائق والمساحات المائية العاكسة للصورة الصرحية للإنشاء.

ورداً على سؤال لــ «أنوار رمضان» قال المهندس هشام شحادة إن الجهود الهائلة التي بُذلت على مستوى عالمي رفيع، باستخدام مواد ومهارات من داخل الإمارات ومن مختلف أرجاء العالم.

كفلت أن يكون هذا المشروع نقلة نوعية مميزة في العمارة الإسلامية، وبصفة خاصة في الدعائم الهائلة لبيت الصلاة وقبابه الفريدة وأيضاً في مجال الزخارف النباتية التي تم إدخالها بشكل غير تقليدي، وأيضاً في عناصر لم تعرفها مساجد العالم الأخرى، منها المنبر الفريد للمسجد، والذي يُعتبر تصميمه الأول من نوعه في العالم، حيث استخدمت فيه طريقة الحفر المفرّغ، ويلفت الأنظار لدى تأمل تصميمه النباتي الفريد على المستوى العالمي.

كامل يوسف

تصوير:وليد قدورة