منذ عشرات السنين رست الكثير من سفن البحارة على سواحل مشيخات الساحل المهادن كما كان يطلق على دولة الإمارات من قبل، وزارها العديد من الرحالة الأجانب على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم وأهدافهم التي قدموا من أجلها إلى هذه البلاد، ودونوا مذكراتهم، وتركوا انطباعاتهم ورحلوا، ومنهم من جاب السواحل، ومنهم من توغل في أعماق الصحراء، السطور التالية تحمل بعضاً من آثار تلك الرحلات.

يشير «جيرار لكليرك» في كتابه الانثروبولوجيا والاستعمار، إلى أن الانثروبولوجي يزعم أحياناً بما له من علم ومعرفة، انه في الموقع المناسب الذي يتيح له فهم الشعوب الأصيلة، بل واتخاذ الموقف اللازم تجاهها، فالمواطن الذي يكتم مشاكله ولا يعرضها على الإداري (الغربي بالطبع)،وان كان هذا مهتماً بالانثروبولوجيا، يعرضها بسهولة أكبر على شخص مستقل نسبياً عنه أو غريباً عن أهدافه المباشرة، وعلى الرغم من كل نواياه «الطيبة» لا يستطيع الإداري «الغربي، الكولونيالي» أن يفهم الشعوب الأصيلة فهماً حقيقياً، إن نظرته لا تكون في أحسن الحالات إلا جزئية ومشوهة، صحيح أن بإمكان السياسي أن يكون انثروبولوجياً، يضيف لكليرك، فهذا ما حصل بالفعل أحيانا بخاصة مع الرحالة البريطاني «برترام توماس» ولكن بما أن الانثروبولوجيا قد حصلت على استقلاليتها، لذا كان على السياسي ومنهم توماس ترك وظائفه القديمة، ولذا ينزع الإداريون الانثروبولوجيون إلى الاختفاء لحساب الانثروبولوجيين التطبيقيين.

لم يكن «توماس» إدارياً بريطانياً، ورحالة فقط، كان له ريادة اجتياز صحراء الربع الخالي، فسجل هذا الانجاز باسمه في الغرب، بل كان انثروبولوجيا تخفى تحت رداء الإداري، لينقلب وهو يتجول في مناطق متفرقة من عمان، إلى انثروبولوجي واثنولوجي وقبل هذا وذاك إلى «كولونيالي عريق»، رغم انه بمجرد مروره بمناطق بعض القبائل «الجبلية بخاصة ومنهم القرا» فإنه بات خبيرا بعاداتهم وتقاليدهم وأصولهم ومعتقداتهم، إلى الحد الذي جعله يصدر أحكاما حول أبناء هذه القبائل أقل ما يمكن ان نصفها بالتسرع، ان لم يكن بالتجني الكامل المملوء بالتحامل العرقي، المتأتي من النظرة الاستعلائية التي لا يمكن ان تخفى على القارئ الحصيف.

أثناء فترة استعداداته لرحلته التي اجتاز خلالها صحراء الربع الخالي يذكر «توماس» انه اختار لمرافقته مجموعة من البدو من قبيلة الرواشد، هم سهيل وخويتم ومعيوف، وقد اختار «ثيسجر» بعده أيضاً عددا من بدو الرواشد لمرافقته اشتهر منهم «بن كبينة» و«بن غبيشة» ويصف توماس هذه القبيلة بأنها «أهم قبيلة في منطقة الرمال الجنوبية ولم أكن لأستطيع اجتياز الربع الخالي بنجاح من دون مساعدتها» وقد وجد «توماس» بالفعل الاستعداد لدى هذه القبيلة لمساعدته، فكرت في تجهيز فرقة تحملني إلى بعض عيون الماء الواقعة على حافة الصحراء حيث يحتمل وجود ثلاث من هذه العيون، وان اعهد إلى قبيلة الرواشد بانتظاري هناك لتأخذني إلى وجهتي وقد بنيت هذا القرار على أساس العلاقة السابقة التي تربطني بهذه القبيلة وما لمسته من استعداد لديها لمساعدتي.

وحين التقى «خويتم» و«معيوف» كشف لهما عن خطته لاجتياز الرمال بمساعدة من قبيلتهم بعدما اخذ عليهم عهدا بعدم إفشاء السر، ووعدهما بمكافأة سخية ان التزما بذلك، وبعد هذا الاتفاق «خرجا مودعين وكانت لهجتهما إلى حد كبير تبين معدنهما الصلب وقوة إرادتهما» ثم تحركا في طريقهما إلى منطقة الجبال حيث كان هناك احد زملائهما ويدعى «سالم طميطم»، وكان الغرض من التوجه إليه ان يزودهما بأفضل أنواع الجمال ومن هناك يتسللان سرا إلى الصحراء.

وقد علق «توماس» على عودتهما ببعض رجال القافلة التي سترافقه آمالا كبيرة وإلا سيكون الفشل من نصيبه، وبقي ينتظرهما في ظفار «يحدوني أمل ضعيف في نجاح المهمة التي جئت من اجلها». وعند إقامته في ظفار يصف المنطقة بأنها تعد من المناطق المحظوظة «فهي تتميز بمناخ فريد، إذ تهب عليها الرياح الموسمية القادمة من الهند خلال شهور الصيف، فتسبب هطول أمطار غزيرة عليها وتحيلها إلى فردوس مقيم، وعلى هضاب هذه المنطقة تتكاثر أشجار اللبان التي يرجع لها الفضل في شهرة هذه المنطقة.

فهذا المحصول القيم مصدر رخاء منطقة ظفار على مر العصور، وظفار تلك التي نعنيها هي غير ظفار الريان التي تقع في اليمن» ويتحدث عن القبائل التي تستوطن المنطقة فيذكر بأنهما «قبيلة القرا التي تقيم في منطقة الجبال، وتعتمد في حياتها على الرعي وزراعة اللبان، وقبيلة آل كثير التي تعيش على الصيد والزراعة في القرى الواقعة على السهل، وعندما يضطرب البحر في شهور الصيف الممطرة وتهب العواصف ويتعذر الصيد تهاجر هذه القبائل من السهل إلى المرتفعات حيث تتوافر المراعي ويحل موسم حصاد اللبان».

مدينة صلالة

وفي مدينة صلالة التي وصلها لمقابلة احد «أغنى تجار المنطقة» حل ضيفا عليه ونزل في قصره، ويصف مباني المدينة العالية المتعددة الطوابق والمبنية من الأحجار المنحوتة من تربة السهل بأنها تشكل منظرا ساحرا فضلا عن الزخرفة والتشكيلات المتنوعة والتي كانت في مجموعها رمزا لعصر من العصور.

حيث تعتبر زخرفة السقوف التي تسمى بلهجة أهل المنطقة بـ «التباشير» السمة المميزة للبيوت الكبيرة وتتم هذه الزخرفة في زوايا السقوف وفي الأطراف وهي تشبه الزخرفة التي كانت سائدة في بترا ومعان في عهد النبطيين. وقد علمت بأن هذا النوع من الزخارف منتشر في منطقتي الشحر والمكلا وغيرهما من مناطق حضرموت ولم ير ما يشابه هذه النقوش والزخارف في عمان.

ومن الأسئلة المتوقعة التي يمكن أن يوجهها بدو المنطقة لرجل أجنبي يختلف عنهم في الشكل والحجم واللون واللغة، حيث يذكر توماس أن احد شيوخ القبائل سأله يوما: لماذا أنتم أيها الأوروبيون كبار الحجم بينما نحن لسنا كذلك؟

يقول: فأجبت، لعل السبب في ذلك هو المناخ والتربة. فرد عليه الرجل البدوي: إن العالم هو الله.

أننا اصغر قامة من أجدادنا، انظر إلى القبور في منطقة خور روري تجد أن طول الواحد منها عشرين قدما، لقد كانت أجسام أجدادنا بهذا الحجم وتلك القامات، يقول توماس: فأومأت إليه بالإيجاب مؤكدا على قوله، الله العالم فعلا. حتى لا أمس شعوره الديني.

عمار السنجري