يقول ابن القيم الجوزية: للربّ حقٌ ليس يشبه غيره، ولعبده حقٌ هما حقان لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً، أي: لا تخلطوا بين الحقين، فحق الله تعالى منه أن نعرفه ونعبده وندعوه ونعظمه ونعتقد صفات كماله ونعوت جلاله، أما حق النبي (صلى الله عليه وسلم ) فهو تصديقه، فنشهد بأنه مرسل من ربه، ومن كذب برسالته لم يصح إيمانه.

وذلك لأن معرفة الله، ومعرفة حقوقه، ومعرفة العبادة ومعرفة الإيمان باليوم الآخر، ومعرفة العبادات كلها، إنما جاءت بواسطته، فهو الذي جاءنا بالقرآن، وهو الذي شرح لنا القرآن، وهو الذي علمنا هذه السنة، وعلمنا كيفية الأعمال؛ إذن فله حق على أمته أن يشهدوا له بأنه مرسل من ربه، ثم يشهدوا أيضاً بفضله وبمزيته.وبما أعطاه الله من الفضل وفضّله على الأنبياء قبله، فالمدائح النبوية ما دامت لم تخرج عن هذا النطاق، فإنها مشروعة، لأنه ما اشتمل من الشعر على الحق فهو حق وما اشتمل على باطل فهو باطل، ولا شك أن الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة، أو نقص، أو تبديل، أو تغيير لأجل تعظيمه به وإن كان بحسن قصد فإن ذلك لا يبرر صحة العمل، وكمال محبته ــ صلى الله عليه وسلم ــ وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته ظاهراً وباطناً، ونشر رسالته التي جاء بها، والدعوة إليها، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

والتغني بهذه الأناشيد أمر لا غبار عليه، فالتفنن في مدح رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يثبت الإيمان في القلوب وتنشر القيم الإسلامية في العالمين هكذا هو ما أراده مداح النبي الكبير الذي طالما تغني «لأجل النبي»، فهو حلم أراده والده وتمنى أن يتحقق في ولده، ابن ينشد في مدح رسول الله ليكمل ما بدأه، وبالفعل تحقق ما أراده مداح الرسول محمد الكحلاوي في ولده أحمد، الذي استطاع في وقت وجيز أن يحقق شهرة واسعة، وذلك بإصراره على إنشاء فرقة مصرية للإنشاد الديني، وهذا أيضا ما سعى والده وراءه أمدا طويلا.

هو أحمد محمد مرسي عبد اللطيف وشهرته »أحمد الكحلاوي« الذي يعيش الآن في العقد الخامس من عمره ويتولى مسؤولية الإشراف على الفرقة القومية للإنشاد الديني التابعة لوزارة الثقافة المصرية، هذا الفنان الذي اختار أن يسير على نهج والده الأب الروحي للأغنية الدينية العربية، الذي حرص بدوره على دفع ولده لحفظ القرآن الكريم، وتعلم قواعد اللغة العربية ودراسة الموسيقى العربية، ليكون مؤهلا للعمل في مجال الإنشاد الديني.

عشق الإنشاد

كان أحمد منذ الصغر يعشق الغناء الديني وساعده على التميز في ذلك المجال تشربه من خبرة ومهارة والده، فكان الصغير يداوم على الحضور مع والده إلى استديوهات التصوير، ليكمل الدراسة والحفظ بالخبرة العملية لتكتمل الدائرة، وبالفعل تألق الكحلاوي الصغير في تقديم الأغاني الدينية حتى استحق لقب «مداح الرسول» عن جدارة، وسارع إلى تأسيس فرقة ضخمة لتقديم هذا النوع المتميز من الإنشاد.

أحمد الكحلاوي يتحرك بسرعة فائقة صوب جعل هذا الفن ذات قاعدة جماهيرية، لكونه على ثقة بأن استخدام أداة الإنشاد الديني في التحاور والتعاون مع الآخر وسيلة مناسبة تجنب العالم مخاطر الصدام .

وما يترتب عليه من حروب وعنف وإرهاب يجتاح كل بلاد العالم، وفي هذا الإطار خاض معارك عديدة ضد من يقولون بحرمة الإنشاد الديني المصحوب بالمعازف والموسيقى، يرى الكحلاوي أن تحريم الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ للمعازف، لم يكن مقصودا به الآلات الموسيقية.

والدليل على ذلك أن هذه الآلات لم تكن موجودة في أيام الرسول الكريم ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ باستثناء آلة الدف, وكان المقصود بالمعازف كل شيء «يعزف» عن ذكر الله ودخول المسجد مثل الحانات والرقص، موضحا أن الدف مصنوع من الخشب وجلد الماعز والعود والكمان والقانون أيضا من الخشب والجلد إذن ما الذي يحرم هذه ويحلل هذا؟ كذلك فإن الآلة الوحيدة المحللة هي الدف، وكل راقصات مصر يمتلكن الدف.. فهل معنى ذلك أن عملهن حلال؟

ويخلص الكحلاوي الصغير في كل حواراته ومناقشاته مع علماء الدين ورموز الثقافة المصري إلى أن الآلة الموسيقية ليست هي موضع التحريم، وأن السر في الاستخدام.

الأغنية الدينية

وفيما يتعلق بالعلاقة بين المديح النبوي والغناء العادي، يعلن الكحلاوي دائما عن رغبته في أن يتواصل نجوم الأغنية العاطفية مع المنشدين والمبتهلين، مشيرا إلى أن سامي يوسف حدوتة عالمية فهو ظاهرة لأنه لا يجيد العربية ومع ذلك متمسك بالأغنية الدينية فهو متميز.

كما أنه منتشر في الخارج وفي الداخل. والآن يجري الكحلاوي بروفات مكثفة مع فرقة الإنشاد الديني التابعة لقطاع الفنون الشعبية والاستعراضية؛ لتقديم «نهج البردى» للإمام البوصيري على مسرح البالون بالقاهرة، علما بأن نهج البردة قصيدة تضم 160 بيتا لحنها بالكامل الكحلاوي مستخدما أكثر من لون وإيقاع موسيقي مختلف.

ولكن في تناسق هارموني واحد، وهذا العمل أخذ تلحينه وقتاً ومجهوداً كبيرين.

ولكن ما شجع الكحلاوي على المواصلة والإصرار رغبته الملحة في تقديم هذه القصيدة ذائعة الصيت والمعروفة لكل المسلمين، خاصة .

وأنها قدمت من قبل بصوت كبار المنشدين والمبتهلين في مختلف البلدان الإسلامية، ومن ثم فالأمر بالنسبة له تحد كبير، لأنه يبحث عن التميز بين عمالقة المبتهلين والمنشدين، كما أنه يبحث في ذات الوقت عن السبيل المناسب لتقديم هذا العمل بمستوى يعجب الجمهور ويسعده، ليكون إضافة لفرقة الإنشاد الديني التي من المنتظر أن تقدم هذا العمل الضخم، بمشاركة قرابة 120 شابا وفتاة، منهم العازف والمنشد والمطرب.

هذه الفرقة التي استطاعت أن تغير شكل المنشد الديني في مصر، والذي يرشح في ذهن البعض أنه شخص يرتدي جلبابا وليس له علاقة بفنون الموسيقى، فهؤلاء الشباب درسوا المقامات الشرقية والموسيقى وأصولها وأحكام التجويد واللغة العربية، وهم جميعا من النجوم وأتوقع بروز أكثر من اسم منهم في المرحلة القادمة.