طبيب ينفرد بتخصصه عن الآخرين في مجال تشخيص الجينات لمختلف الأمراض الوراثية خاصة أن الإمارات تفتقد أطباء في تخصص علم الوراثة والجينات..كافح طلباً للعلم في دول أوروبا وأميركا وأدواته المزيد من التقنيات الجديدة في مجال علم الوراثة والجينات ليعود إلى وطنه محملاً بالجديد..
استحدث قسماً في مركز علم الوراثة والجينات في مستشفى الوصل باسم «الوراثة الأيضية» وغيرها من الفروع المختلفة للأمراض الوراثية كالسرطانات الوراثية والتشخيص للأمراض الوراثية قبل الولادة وغيرها من الجهود التي أثبتت أن ابن الإمارات قادر على مواجهة الصعاب من أجل التميز والإبداع في مجال عمله..يمتلك في رصيده إلى جانب ذلك أكثر من 50 منشوراً علمياً بأكثر من مجلة عالمية عالية المستوى.
هو الدكتور محمود طالب آل علي رئيس مركز الوراثة في مستشفى الوصل ورئيس المركز العربي للدراسات الجينية وأستاذ مساعد في كلية الطب بجامعة الإمارات.
التقيناه وتحدث عن أمور عديدة اقتربنا فيها من شخصيته بشكل أكبر وتطرقنا إلى أمور ومحاور مختلفة.. وكان الحوار.
* مشوارك العلمي والعملي.. ماذا عنه؟
التحقت بجامعة كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية لدراسة بكالوريوس علم المختبرات الطبية وبعدها عملت هناك بوظيفة تتعلق بمجال تخصصي لمدة سنتين بعدها رجعت إلى الدولة وعملت في وزارة الصحة لمدة سنتين، واتجهت إلى هولندا وحصلت على الماجستير في علم المناعة الطبية وبعدها حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن في تخصص علم الجينات والوراثة.
ورجعت إلى الدولة وعملت رئيسا لوحدة المختبرات في الإمارات الشمالية في وزارة الصحة لفترة 8 شهور إلا أن العمل لم يستهويني لأنه عمل إداري بحت بخلاف طبيعتي الحماسية خاصة بعد رجوعي من الخارج، ثم انتقلت إلى العمل في وزارة الصحة في دبي عام 1994 في مركز علم الوراثة والجينات في مستشفى الوصل كمساعد أخصائي في علم الوراثة لمدة سنة ونصف وكان المركز حينها يتضمن فروعا صغيرة رجعت بعدها إلى المملكة المتحدة وتدربت في ثلاثة مستشفيات مختلفة حول كيفية استخدام التقنيات الحديثة للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية إلى أن رجعت لمركز الوراثة والجينات بشكل مختلف وفكر ينبض بالجديد .
حيث عملت على استحداث قسم كامل هو قسم «الوراثة الايضية» ومنه عملت على استحداث فروع مختلفة تعنى بالوراثة كالسرطانات الوراثية والتشخيص ما قبل الولادة وغيرها من الأمراض الجينية المختلفة باستخدام التقنيات الحديثة.
تحدي الذات
* ما الأسباب التي دفعتك لدراسة علم الوراثة والجينات؟
ــــ خلال فترة دراستي للماجستير حول المناعة الطبية كنت أضع في اعتباري استكمال هذا التخصص في الدكتوراه لا سيما أن تلك الفترة كان حديث الناس الأكبر فيها حول مرض الايدز والسعي إلى اكتشاف كل جديد لعلاجه وبعد حضوري العديد من المحاضرات الطبية العالية المستوى .
والتي جمعت أكفأ الأطباء من جامعة كامبردج البريطانية كان محور حديثهم أن العصر الجديد في الطب هو ما يتعلق بمجال الوراثة لذلك اتجهت إلى دراسة هذا التخصص ورأيت من خلاله أنه العصر الجديد في عالم الطب، كما أنني بعد رجوعي إلى الدولة ونيلي شهادة الدكتوراه كنت الوحيد المتخصص في مجال الوراثة والجينات وهو ما يعتبر تحديا لإثبات ذاتي ومهاراتي في هذا التخصص ومتطلباته.
* بعد مرور سنوات على نيلك الدكتوراه.. إلى أي مدى وصل أعداد المواطنين في هذا التخصص؟
ــــ للأسف الشديد إن أعداد المواطنين في التخصص في هذا المجال ضعيفة جدا حيث تبلغ على مستوى الدولة في الفترة الحالية أربعة فقط وذلك يرجع إلى أسباب متعددة أولها أن العلم جديد بحد ذاته لم يجد له مكانا حتى يبرز في المجتمع.
إضافة إلى قلة الوعي بين الأفراد حول أهميته وضرورة الالتحاق به للحد من الأمراض الوراثية وانتشارها، إلى جانب أن السبب الرئيسي لابتعاد المواطنين عن تخصصات الطب هو عدم تقدير الطبيب في المجتمع سواء من الناحية المعنوية أو المادية مقارنة بالمهن الأخرى فالطبيب أقل حظا من الآخرين، مشيرا إلى أن أحد الأطباء في وزارة الصحة يمتلك شهادة الدكتوراه .
ويتقاضى 14 ألف درهم فقط وآخر 12 ألفا في حين أن أحد الأفراد لا يمتلك شهادة بكالوريوس ويعمل في قطاع مختلف في المجتمع ويتقاضى 16 ألف درهم الأمر الذي يشعر الأطباء في الدول العربية والخليجية بشكل عام بقلة الاهتمام من قبل المجتمع، فيما نتغرب لسنوات طويلة للتخصص ونعود دون جدوى وما يتقاضاه تحت المستوى وهو ما يدفع الشباب إلى الابتعاد نهائيا عن التفكير بتخصص الطب وأنا شخصيا لن أدفع ابني إلى دراسة الطب بل سأنصحه بالالتحاق بأي مهنة تكسبه الأمن والاستقرار، موضحا أن الطبيب والمحامي في الولايات المتحدة الأميركية يحصلان على أعلى الرواتب المهنية.
وألقى الدكتور محمود اللوم على ضعف الهيكل الوظيفي في مجلس الخدمة المدنية حيث لا يميز بين خريج الهندسة أو الطب أو المهن الأخرى.
بورد عربي
* أطلقت المركز العربي للدراسات الجينية.. ما الجديد الذي توصلت إليه بعد إجرائكم مختلف الدراسات والبحوث؟
ـــــ قبل نشاط المركز العربي للدراسات والبحوث كانت لدينا معلومات عن وجود 16 حالة مسجلة من الأمراض الوراثية بالدولة وبعد العمل المتواصل فيه وخلال ستة أشهر اكتشفنا أن الإمارات فيها أكثر من 250 مرضا وراثيا أبرزها الثلاسيميا وهو «خلل في هيموجلوبين الدم».
والمنغولي والاعتلالات الكروموزومية الذي ينتج عنها أفراد بهم حالات تخلف عقلي أو إعاقة جسمية، الأمر الذي دفعنا إلى إيجاد المركز وتفعيل نشاطه ليتوسع حتى يشمل الدول العربية من خلال عملنا على تشكيل بورد عربي يتكون من ممثلين اثنين عن كل دولة عربية يتم من خلالهم عمل اجتماعات سنوية بشكل دوري من أجل وضع خطة إستراتيجية للحد من انتشار الأمراض الوراثية في الدول العربية.
لاسيما أن الأمراض الوراثية فيها تفوق بكثير الأمراض الوراثية في الدول الأجنبية لوجود أربعة أسباب أهمها زواج الأقارب حيث ان في الإمارات تصل النسبة بين 60 إلى 70%، أما السبب الثاني فيكمن في رغبة النساء في الإنجاب في سن اليأس، وقلة برامج التوعية حول الأمراض الوراثية وخطورتها على المجتمع.
ووجود بعض الأمراض الوراثية منذ زمن دون إيجاد الحلول لها، إضافة إلى أننا تمكنا من نشر أكثر من 70 دراسة في مؤتمرات ومجلات عالمية مختلفة، وعمل دراسات أخرى أخطرها اكتشاف حالات فريدة ونادرة في الدولة وصل عددها الى6 حالات وراثية توجد لأول مرة في العالم تسمى « طفرات جينية جديدة »، فضلا عن عمل دراسات بشكل مستمر لمختلف الحالات الجديدة.
* ما الصعوبات التي تقف عائقا أمامكم في هذه المهنة؟
ـــ عملنا غاية في الصعوبة كونه يطغى عليه التجدد والتغيير الدائم كعصر الكمبيوتر والتقنيات الحديثة ذات المجال الواسع والمتعدد الاكتشافات، ففي كل يوم نجد أن هناك تطورا جديدا وتقنية معاصرة في تشخيص الجينات، إضافة إلى أن الصعوبة الأكبر التي تقف أمامي هو العمل بمفردي وسط الكم الهائل من هذا التجدد لعدم وجود أشخاص متخصصين في هذا المجال يتعاونون معي كفريق واحد لانجاز العمل بطريقة أسرع وتبادل الأفكار والخبرات.
مشيرا إلى أن الأعداد التي يتم تشخيصها سنويا في مركز علم الوراثة والجينات يصل إلى 200 حالة مختلفة، إلا أن دراسة علم الوراثة والجينات رغم صعوبتها إلا أنها ممتعة في الوقت ذاته وتكمن الأهمية في ارتباطها باكتشاف أن أي مرض عضوي في الإنسان يدخل فيه العامل الوراثي.
كما أنه من خلال دراسة كبيرة تم اعداها لمدة 12 سنة بعنوان «مشروع الجينوم البشري» تم اكتشاف مدى أهمية دراسة علم الوراثة والجينات الذي يدخل في العديد من المجالات المختلفة كعلم الفضاء والزراعة والنفط والبترول.
* تعد الوراثة والجينات من المجالات الحساسة التي تدفع الإنسان إلى السعي لإدراك مدى قدرة الله بخلق المكونات الدقيقة في الإنسان..
ما الذي أضافته إليك؟
ــــ بالفعل إن مجال الوراثة والجينات يعتبر بحرا عميقا مليئا بالمكونات الدقيقة التي تجبر الإنسان بطريقة لا إرادية للتعرف عليها والتقرب إلى الله بشكل أكبر والتفكر بعظمته وقدرته الخارجة عن التصور،لاسيما أن جسم الإنسان عبارة عن ماكينة تعمل بدقة متناهية وأي تعطل بسيط يختل جسم الإنسان بكامله.
ففيه آلاف الجزيئات الدقيقة التي تعمل بطريقة تختلف عن الأخرى ما يدفعنا لمعرفة كيفية عمل هذه الجزيئات إلا أن الله تعالى يقول « وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً » فمهما بلغ الإنسان من العلم تبقى ذاكرته قاصرة على إدراك مدى قدرته تعالى.
* ما الذي عكسه مركز دم الحبل السري إليكم كونه يرتبط بشكل كبير بمجال الوراثة والجينات؟
ــــ المركز بلا شك يعتبر أمل المستقبل كونه خطوة لعلاج العديد من الأمراض الوراثية ويعتبر الأول من نوعه على مستوى الدول الخليجية والعربية ففي الوقت الحالي يساهم في علاج أمراض وراثية محدودة كسرطانات الدم، الدم الوراثية، وبعض الأمراض الوراثية الأخرى في حين ستساهم في المستقبل الخلايا الجذعية الموجودة في دم الحبل السري في علاج الأمراض الوراثية بشكل أكبر.
* كيف تقضون شهر رمضان الفضيل وما الطقوس التي تعتادون على تأديتها خلال أيامه؟
ــــ يعتبر شهر رمضان من أهم شهور السنة وله حميمية خاصة فمن خلاله نتمكن من التقرب إلى الله تعالى بشكل أكبر ونعيد الحسابات والأخطاء التي نقع فيها دون قصد خلال أشهر السنة من أجل التكفير عنها، كما أن شهر رمضان أتقرب به إلى أبنائي الثلاثة الذين أجد معهم متسعا لإجراء الحوارات وذكر الله بشكل أكثر عن شهور السنة.
حيث ان عدد ساعات العمل في رمضان تصل إلى ست ساعات تعتبر أقل بكثير من ساعات العمل الطويلة في الأشهر الأخرى والتي نواصل من خلالها العمل حتى ساعات الليل فتقل فرص الالتقاء بالأسرة، كما أمتنع عن تناول وجبة الإفطار في رمضان خارج منزلي مهما كانت الأسباب أو تعددت الولائم حيث أرى أن تناول الإفطار في منزلي له خصوصية مختلفة وحميمية خاصة بجوار الأسرة.
منال خالد
تصوير: محمود الخطيب

