يتذكر جمال الغيطاني رمضان ويسترجع أيامه ولياليه بشكل مختلف، فكونه أديبا جعله يستعيد لحظات بعينها تمثل ماضيا مجيدا للأمة العربية مرتبطا بهذا الشهر الكريم، وتلك اللحظات التاريخية دائماً ما ترتبط بالمكان وعظمته، ومدى تأثير كل منهما في الآخر، وتأثيرهما معاً في الإنسان، ولذلك قال القدماء: إن الزمان مكان سائل، والمكان زمان يتجمد.
والكاتب الروائي جمال الغيطاني، صاحب العديد من الروايات والمجموعات القصصية، فماذا لو حدثنا عن عبق رمضان وروحانياته وذكرياته التي لاتنتهي في رحاب القاهرة القديمة.
يقول: رمضان بالنسبة لي ذكرى عطرة وعبق روحاني وجمال أوقات الطفولة وأغانيها إلا أن أهم ما في الذاكرة، والذي لا يحتل مساحة كبيرة من ذاكرتي فحسب بل من إحساسي بهويتي العربية وهي أيام معركة أكتوبر وعلى وجه خاص اليوم الثاني من معركة أكتوبر عام 1973.
والذي كان يوافق الحادي عشر من رمضان فقد صدرت التعليمات من القيادة بإفطار جميع الموجودين على جبهة القتال.. ولكن عددا كبيرا من الزملاء وأنا معهم رفضنا الانصياع لهذا الأمر، وقررنا خوض المعركة صائمين.. وكانت روح التحدي والإرادة لإعادة الأرض والكرامة، لتدفعنا إلى الإصرار على مواصلة الصوم.
حنين خاص
ويعود جمال الغيطاني بنا إلى ذكرياته في رمضان خلال مرحلة طفولته ويقول: في طفولتي كنت أعيش مع أسرتي في حي «الجمالية» وكان رمضان في هذا الحي أشبه باحتفالية شعبية رائعة، ويظل في ذاكرتي دائما مشهد وقوفي مع عدد كبير من الأطفال في الشارع انتظارا لسماع مدفع الإفطار لننطلق بعده مسرعين إلى البيوت لتناول طعام الإفطار.. ومازلت أتذكر حتى الآن موائد الرحمن المنصوبة في شوارع وحواري «الجمالية» تنتظر كل فقير أو عابر سبيل يمكن أن يمر في ذلك الوقت..
وبعد الإفطار كان أطفال الحي يجتمعون وكل واحد منهم يحمل فانوسه المصنوع من المعدن وبداخله شمعة مضيئة ونبدأ في التجول في الحي ونحن نغني «وحوي يا وحوي».
مساجد وقباب
ويتابع الغيطاني: رغم أن مسقط رأسي في الجنوب، إلا أنني اعتبر نفسي قاهري النشأة والتكوين، أدين للقاهرة القديمة تحديدا بتأسيس عالمي الخاص، في حارة درب الطبلاوي المتفرعة من شارع قصر الشوق، عشت ثلاثين عاما من عمري، تفتحت عيناي على الأفق المزروع بالمساجد والقباب.
وظلال الأزمنة المنقضية، السماء القاهرية حادة الضوء صيفاً والهادئة، والمقطبة شتاء أتاحت لوعي وخيالي الانطلاق عبر تطلعي من السطح الذي كان يمتد أمام مسكننا الصغير.
ويؤكد «الغيطاني» أن مظاهر رمضان كما عرفها لاتزال متواجدة في بعض الأحياء القديمة، بل إن الفنادق الكبيرة أصبحت تحرص على تقليد هذه المظاهر وهذه المظاهر تتضح في أحياء الأزهر والحسين والسيدة زينب..
ورغم مشاركة بعض الأدوات الحديثة، والتي لها تأثيرها، مثل: التليفزيون والفيديو في مظاهر الاحتفالات الرمضانية.. فأينما وليت وجهي فثمة مئذنة، قبة، مدخل مسجد، لوحة خط، زخارف، نواصي مثقلة بالحنين، وأنفاس الغابرين، والأصوات التي تتردد عند الظهر وعند العصر، وذلك الشجن الشفيف الذي يلف أوقات ما قبل الغروب.
ويقول الغيطاني: يبقي عالقاً في ذاكرة كل منا العديد من الذكريات الخاصة، التي تتناسب مع روح المودة والتآخي في هذا الشهر الكريم، ومازلت أشعر بالحنين إلي حمل الفانوس والجري وراء مواكب الرؤية بل إنني أتمني أحياناً أن أعود طفلا لأغني «وحوي يا وحوي» ومازالت في نفسي روحانية الذهاب إلي المسجد وصلاة التراويح وهذا الجو لا نجده في غير رمضان، والذي من الصعب أن يضيع من الذاكرة والقلب معا، والذي يحمل الدهشة الأول البكر.
