أشعر اني من المشدودين أكثر إلى ارض اوزبكستان، أو بلاد ما وراء النهر كما كانت تسمى تاريخيا، تذكرت وانا في الطائرة المتجهة إلى هناك ركاما تراثيا تاريخيا هائلا قرأت بعضه عن هذه الأراضي، التي شهدت انبعاثا جديدا للإسلام، انبعاثا ليس روحيا فقط، بل وعلميا وثقافيا تردد صداه في كل أنحاء العالم. انبهاري بهذه البلاد يعود في الحقيقة لعدة أسباب، أولها عراقتها ومكانتها في قلوبنا، فهناك هذا الشيء الذي يسمونه الحنين إلى الزمن المفقود.

نوستالجيا تجتاحني حين استحضر روحيا، ارض كان للمسلمين فيها تاريخ وألق لايخبو رغم تعتيم سبعين سنة من الحكم الشيوعي الذي حاول قصارى جهده العبث بتاريخ هذه البلاد، وتحطيم رموزها الروحية.

ومحاربة اللغة العربية التي يتعلمها الأطفال هناك منذ نعومة الأظفار لأنها لغة القرآن الذي يتذاكرونه ويحفظون الكثير منه، كما كان يحفظه آباؤهم وأجدادهم في الماضي في سراديب تحت الأرض خوفا من البطش الشيوعي.

كلما فكرت باني ذاهب إلى بلاد خرجت ائمة وعلماء كبار أفاضل في مختلف شتى فروع المعرفة، كالإمام البخاري صاحب اصح كتاب بعد القرآن الكريم، والإمام النسفي والإمام الترمذي والماتوردي والنقشبندي وابن سينا والبيروني والفرغاني والمرغناني والقفال الشاشي والقائمة تطول، أولئك العلماء الأفاضل الأفذاذ الذين اغنوا حضارتنا الخالدة، الحضارة العربية الإسلامية، بل واثروا الحضارة الإنسانية جمعاء.

عطاءاتهم خلدتها أعمالهم وآثارهم المعرفية، ومؤلفاتهم التي ما زالت هي المصادر والمراجع التي نرجع إليها كلما احتجنا إلى النهل من علوم القرآن والفقه واللغة والحديث والتفسير والتراجم والفلسفة والطب والفلك و...الخ. تلك المعرفة التي شرفنا بها وشرفت حضارتنا الإسلامية حضارة العلم والمعرفة والتسامح وتحاور الحضارات وتلاقيها وليس صدامها.

ان علماء اوزبكستان الافذاذ كانوا وسيبقون منارات على طريق المعرفة الإنسانية، ومنارات لنا الفخر ان نقتدي بهم، ونتلمس الطريق، لأن نسلك مسلكهم، ونتأسى بهم، فهم فخر لأمتنا ومصدر اعتزازها بقيمها السامية.

حضرت في الشهر الماضي مؤتمراً عقد في العاصمة طشقند بمناسبة اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2007م من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الاسيسكو)، وحضر هذا المؤتمر نخبة من الشخصيات كتجسيد حي لهذا التواصل الأخوي ولنشهد تظاهرة معرفية كللتها الضيافة الاوزبكية التي فاقت التوقعات وهذا ليس بغريب على امة خرجت جمهرة علمائنا الذين نعتز بهم وبسيرهم العطرة.

ولأول مرة في حياتي يجمعني ( باص ) باثنين من الوزراء وأمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي وأمين عام جامعة الدول العربية حيث كنا على موعد لتشرفنا بمقابلة الرئيس إسلام كريموف رئيس جمهورية اوزبكستان واستماعنا واستمتاعنا بحديثه الشيق وإيمانه العميق بفائدة الحوار ودعوة التسامح التي دعا اليها ديننا الحنيف، وإيمانه بمستقبل مشرق بإذن الله لهذه البلاد وهذه الأمة.

شخصيا جلت في البلاد ورأيت بأم عيني مظاهر العناية والرعاية الشديدة لاثارنا الإسلامية المعمارية الخالدة التي أعادت إليها حكومة الرئيس كريموف مجدها التليد ورونقها ومكانتها اللائقة بعد سنوات الإهمال الذي عانت منه في فترة الاتحاد السوفييتي، فكان إعلان الاستقلال نعمة على هذه البلاد التي لم نكن نسمع عنها الكثير سابقا، مع ان مؤلفات علمائها الأفذاذ لا يكاد يخلو منها أي بيت من بيوتنا.

aalsanjari@yahoo.com