منذ أن دخلنا كابينة الطائرة والكل مستنفر، المضيفة الواقفة عند الباب تبتسم بعصبية، وتحرك حواجبها بحركة غير طبيعية، وتعض شفايفها وتتحرطم كمن يقول لنا لا أهلا ولا سهلا، ولكن، بما أنكم قد اخترتم السفر على خطوطنا الجوية ودفعتم ثمن التذكرة من دم قلبكم.
وبما أننا لا نستطيع ان نرسلكم إلى الأرض من على ارتفاع عشرة آلاف قدم، وبسرعة900كم بالساعة، سباحة في الهواء من على هذه الارتفاعات الشاهقة، لذلك سنعوض هذه الأمنية العزيزة التي لا نستطيع تحقيقها، بالخدمة التي سترونها على أيدي مضيفاتنا الفاتنات.
مسؤولة الفاتنات سبحان الله الخالق الناطق الممثلة الراحلة نجمة إبراهيم أو الحجة زهرة أو رية في فيلم رية وسكينة النسخة القديمة بالأسود والأبيض، جئت اجلس في مقعدي وكان قد احتل المقعد القريب من الممر رجل شيبة دائم التذمر والشكوى وطلب المضيفات بسبب وبدون سبب ولم يتوقف عن طلباته طيلة الرحلة.
كما لم يتوقف بنفس الوقت عن السعال وبصق بلغمه بورق كلينكس وكان كلما جاءته نوبة البصاق رفعت البطانية التي وزعها علينا زبانية الطائرة ووضعتها على راسي كالشيلة اتقاء لرذاذه.
في المقعد الوسطي تربع عملاق الخالق الناطق المصارع هوجان او مايكل جوردان، بعصاقيله كانت رائحته تؤرقني طيلة الرحلة وكأنه قادم توا من مسابقة جري اولمبية لمسافة ألف متر تتابع، انحشرت وبحرص شديد في المقعد الأخير القريب من النافذة بعد اجتياز الشيبة المتصابي والجاثم في الوسط،.
وكنت كلما حاولت فتح أو رفع القطعة البلاستيكية التي تغطي النافذة التي بجانبي، وكأني أو يخيل لي أني سأفتح ( الجامة ) ليتغير جو الطائرة الخانق من رائحة أبط جاري كينغ كونغ الرابض إلى جانبي غير مكترث بالطبع إلى مسألة نقص الأوكسجين، في محيط تنفسي حتى كدت أموت اختناقا.
وكان الشيبة في المقعد الأول كلما جاءته نوبة السعال ازداد بصاقه حتى كاد ان يبصق على عصاقيل العملاق ولكنه وفي اللحظة الأخيرة لسبب ما استدار نحو النافذة، نافذتنا بالطبع وأرسلها قوية مركزة سريعة ومباغتة، استقرت على سطح النافذة من الداخل بعد ان تراجعت القهقرى اتقاء الإصابة بقذيفة الهاون التي أطلقها.
استعذت بالله من الشيطان الرجيم وراجعت تقريبا كل الآيات والأحاديث والأدعية والكلمات المأثورة وأقوال الحكماء وأقوال الصحف التي تحض على الصبر، بعد ان تلبستني في لحظة يأس من فيلم الرعب هذا، فكرة كنت سأقوم وأنفذها، وهي ان أدوس في بطن هذا الشيبة المتصابي.
وكنا قد قضينا الساعات الأولى من الرحلة في نوبة ساونا وجاكوزي، حيث لم نشعر والشهادة لله ان في الطائرة أي جهاز تبريد، تقول الكهربا مقطوعة في الطائرة، كنا نسبح في فرن مايكروويف، والى ان جاءتنا نسيمات باردة من فتحات التكييف، فوق رؤوسنا، وكنا قد نطقنا الشهادة أكثر من مرة.
وعندما حمي وطيس المعركة، أردت في هذه اللحظة الحرجة ان اذهب إلى دورة المياه من كثرة ما شربنا من مياه وكأننا في رحلة في الصحراء على البوش، وليس في طائرة، ولكن المشكلة كانت قد تضاعفت لان الشيبة كان مازال مواصلا حملة السعال والبصاق بالتناوب، بينما العملاق كان قد غفا ونام، فانفرش فوق مقعده وأطلق العنان لساعديه الأخطبوطيين، حتى كاد يتحول حجمي إلى حجم مخدة صغيرة تحت رأس طفل. جاءتني تلك الفكرة الجنونية.
وأنا المح كيس بلاستك في الجيب المثبت في ظهر المقعد الذي أمامي، لكني صرفتها لان الشيبة كان يسعل حتى وهو نائم أو متظاهر بالنوم ويطلب طلباته من المضيفات الفاتنات وهو يغازلهن بضراوة وبضرس واحد وحيد بقي في فمه.