تسير في شوارع اسطنبول فور وصولك إليها، فتجد أن كل شيء غير عادي بالنسبة لعاصمة الحضارة العثمانية والمدينة التي تتكئ على تاريخ آسيا وحضارة أوروبا. يدهشك أن يقوم أرنب بالتقاط أوراق حظ لك من بين مجموعة من الألوان التي وضعت في علبة كرتونية صغيرة، هناك من يغني بصوت عذب على بوابة المترو، وأشخاص يرقصون رقصة غجرية أمام المتحف الذي شاءت الظروف أن يجمع خليطا من بين كل دول العالم، والكثير الكثير الذي تشاهده لأول مرة في هذه المدينة الكبيرة.
بعد تعب يوم بأكمله جلسنا لنرتاح في حديقة عامة تقع في مركز المدينة، فجأة توقفت العديد من الحافلات الكبيرة وسط موسيقى احتفالية تركية تقوم على الطبول والمزامير والقرب الهوائية، وبدأ ينزل من الباصات شابات وشبان بلباس العرس، للوهلة الأولى كنا نظن أن هناك خطأ ما في اختيار المكان، وحينما اقتربنا من أحد الأتراك الجالسين بجوارنا قال لنا: «في هذه الساحة وعلى مدار السنة تقوم بلدية اسطنبول بتزويج بعض الشباب والشابات وتقديم المعونات لهم كي يبدأوا حياتهم الزوجية من نقطة الصفر»، يصمت قليلا ثم يضيف ممازحا: «نسيت أن أخبركم أن هذا العام هناك خمسمئة شاب مقبل على الزواج والاستقرار يبدو أن تركيا ترغب ببناء جيش قوي».
انطلقنا باتجاه العرسان وراح زميلي عماد يلتقط الصور، كان صعبا اختراق الناس الذين تجمهروا بسرعة كي يصفقوا ويزغردوا للعرسان الجدد، كان العرسان يلوحون بأيديهم شاكرين الناس، وكان كل واحد حريص على الإمساك بقوة بيد عروسه ربما من الحب ومشاعر هذه الليلة، وربما خشية أن يفقدها في هذا الازدحام الرهيب الذي يمكن أن يضيع فيه أي إنسان مهما كان حجمه .. بعضهم مازح أحد العرسان، احذر أن تضيع عروسك لا أحد يمكن أن يبادلك.
ويبدو أن بلدية اسطنبول حريصة على أن يكون هناك طقس للزواج تقيمه بشكل سنوي للذين لا يقدرون على إقامة زفافهم بأنفسهم، يقال إن بعض المؤسسات قد تساعد في دعم هذا الزفاف الكبير ولكن البلدية تؤمن كل مستلزمات المنزل للزوجين اللذين قد لا تسعفهما تكاليف الحياة بتأمين انطلاقة لحياة زوجية لائقة، لذا تقدم لهم، وحسب المسؤول المحلي الذي التقيناه على عجل أثناء هذا الاحتفال، ثياب العرس والغسالة والثلاجة والتلفزيون وغرفة نوم ومعونة مادية بسيطة، بالإضافة إلى بعض المستلزمات الأخرى التي قد تقدمها بعض الشركات كهدية منها للعرسان، وغالبا ما يكون هناك أسبوع إقامة في أحد الفنادق كشهر عسل.
لا شك أن خمسمئة عائلة جديدة هو عدد غير قليل كي تدعمهم البلدية على مدار العام، ولا يقف الأمر عند هذا الرقم الذي يعتبر الأكبر في تاريخ الزيجات التي تقيمها البلدية، بل إن الرقم مرشح للارتفاع لأن هناك الكثير من العشاق الذين يرغبون بالزواج وهم غير قادرين على هذا لصعوبة تحمل التكاليف الباهظة في مدينة اسطنبول، وهو ما قاله أحد العرسان مؤكدا أنه لولا بلدية اسطنبول لما أتيح له أن يقيم زفافا أو أن يتزوج فهناك الكثير من المصاعب المادية التي تقف عائقا أمامه.
وتمضي البلدية قدما في دعمها كي تقيم لهم احتفالا رمزيا في إحدى الساحات العامة تشجيعا للشباب على الزواج، وكي تعلن أنها على استعداد لتقديم المزيد لمن يرغب بالزواج. ساعتان في فترة ما بعد الظهيرة استغرقهما احتفال الفرقة الموسيقية بالعرسان الجدد على طريقتها قبل أن يمضوا مبتهجين إلى الحافلات المخصصة.
اسطنبول ـ جمال آدم



