لعل من أبرز ما خلفه لنا المؤلفون في باب (فشو اللحن) في القرن الهجري الأول، أي انتشار الرطن بكلام لا هو بالعربي ولا هو بالبرتكيشي، فكانت اللغة التي يفترض أنها عربية قد أصبحت هجينة، تشبه إلى حد ما اللغة العربوردية التي يتكلم بها بعض البشاكير والدريولية اليوم، لغة في معلوم ما في معلوم وهذا كلش نفرات خربوطة.
حيث يبدو والله أعلم أنها كانت قد بدأت بواكيرها منذ ذلك الزمن، حيث رصد الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» نتفاً من أخبار لغة التفاهم تلك، حيث يروي عن قول أبي جهير الخراساني النخاس حين قال له الحجاج: أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟
فرد عليه: (شريكاننا في هوازنا وشريكاننا في مداينها وكما تجئ نكون)..
قال الحجاج ماتقول ويلك؟
فقال بعض من كان قد اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية ـ والتعبير للجاحظ ـ حتى صار يفهم مثل ذلك، يقول: (شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون الينا بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها). ويحدث الجاحظ كذلك عن نفسه فيقول قلت لخادم لي يوما: في اي صناعة اسلموا هذا الغلام؟ قال (في أصحاب سند نعال) يريد في أصحاب النعال السندية.
وقد وضح المستشرق فوك تُوفََمَّ ئِّكً في دراسته القيمة التي جاءت بعنوان (العربية: دراسات في اللغة، واللهجات، والأساليب) الأسباب التي جعلت الشخص الأعجمي يتكلم العربية بهذه الطريقة حيث يقول عن لغته:
«إنها لغة استعانت بأبسط وسائل التعبير اللغوي، فبسطت المحصول الصوتي، وصوغ القوالب اللغوية، ونظام تركيب الجملة، ومحيط المفردات، وتنازلت عن التصرف الأعرابي، واستغنت بذلك عن مراعاة أحوال الكلمة وتصريفها كما ضحت بالفروق بين الأجناس النحوية واكتفت ببعض القواعد القليلة الثابتة في مواقع الكلام، للتعبير عن علاقات التركيب. فنحن نجد غير العرب يستبدلون بأصوات عربية معينة، أخرى أسهل عليهم، بحيث كان العربي يدرك من ذلك التبديل ما كان النطق فارسياً أو نبطياً».
وقد عقد الجاحظ باباً في البيان عنوانه: ومن اللحانين البلغاء، عد فيه خالد بن عبدالله القسري، وخالد بن صفوان الاهتمي وعيسى بن المدور. وقص علينا في باب آخر ان شخصاً يدعى زيادا النبطي اخا حسان النبطي كان شديد اللكنة والمصيبة انه كان نحويا قال: وكان بخيلا، ودعا غلامه ثلاثاً فلما أجابه قال: (فمن لدن داوتك إلى أن قلت لبي ما كنت تصنا)، يريد: من لدن دعوتك إلى أن اجبتني ما كنت تصنع.
وكان أقبح اللحن، فيما يحدثنا الجاحظ، لحن أصحاب التقعير والتقعيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم (يذكرونني ببعض مذيعي ومذيعات محطات الئح والفضائيات الرياضية).
وأقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة وبقرب مجامع الأسواق (السناتر والمولات بتعبير اليوم)، ومع كل ذلك فقد كان مستحبا من الجواري (نفس جواري الفيديو كليب اليوم)، حيث يقول: «واللحن من الجواري الظراف ومن الكواعب النواهد ومن الشواب الملاح، ومن ذوات الخدود ايسر، وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن جارية صاحبة تكلف» وهذا بالطبع قبل صدور معلقات الواوا وبابا ابح والشخابيط التي تشخبطنا وتلخبطنا كل يوم!
aalsanjari@yahoo.com