في إطار الموسم الثقافي الصيفي لعام 2007 عقدت الهيئة المصرية العامة للكتاب ندوة لمناقشة كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» لعميد الأدب العربي د. طه حسين، حيث أكد الكاتب السيد ياسين أن الكتاب الذي صدر عام 1938 يتشابه كثيراً مع كتاب لفيلسوف فرنسي يدعى «اليوتار» والمعنون باسم «الظرف ما بعد الحداثة» والذي كان تقريراً قدم للحكومة الكندية عن حالة المعرفة في القرن الحادي والعشرين، بينما قدم كتاب طه حسين للحكومة المصرية عن تصوراته للحالة المعرفية في مصر.
حيث كانت مشكلة التخلف هي الإشكالية الرئيسية التي تعترض رواد النهضة، مشيراً إلى أن إضافة لكتاب د. طه حسين هناك ومرجعاً تمشياً في هذا المجال وهو كتاب للمؤرخ المغربي المعروف «عبدالله العروي» وعنوانه «الأيديولوجية العربية المعاصرة» والذي تحدث فيه عن الاستجابات المختلفة للتحدي الأوروبي للعالم العربي المتخلف وكيف يواجهها.
وذكر ياسين أن العروي في هذا الكتاب يحلل ثلاث استجابات متبعاً آلية سبق وان اتبعها عالم الاجتماع الألماني «ماكس فيبر» في كتابه «النماذج المثالية»، حيث يتحدث فيه عن وعي الشيخ محمد عبده وقوله في كتابه «الإسلام والعلم» أن الإسلام يمكن أن يكون معاصراً، كما تحدث عن الوعي الليبرالي عند أحمد لطفي السيد ودعوته إلى الاحتذاء بالنموذج الغربي في سائر مجالات الحياة.
كما تحدث عن وعي سلامة موسى ودعوته إلى التصنيع والتقنية، موضحاً أنه في كتاب د. طه حسين، وهو التلميذ المخلص لأحمد لطفي السيد فكان الحديث في غالبه عن النموذج الثقافي الذي ينبغي الاحتذاء به في منطقة البحر المتوسط، حيث كانت أوروبا هي قبلتنا الحضارية في تلك الفترة، وكانت معظم البعثات المصرية الأولى تتجه إليها بينما كانت أميركا لا تزال قارة مجهولة بالنسبة لنا.
وشدد على أن د. طه حسين دعا في كتابه إلى ضرورة تأمل الثقافة المتوسطية والأخذ عنها، إلا أنه في هذا العصر عصر ما بعد الحداثة، أو عصر العولمة اختلف مفهوم الثقافة والإشكاليات التي تواجهنا، حيث لم تعد الثقافة الكونية تقتصر على قارة أوروبا بعينها وإنما أصبح هناك ما يسمى بالثقافة الاستراتيجية، التي تعني الإحساس بالخطر والتهديد لدى ثقافة ما، ولذلك فقد أصبح في كل من أوروبا والعالم العربي ثقافات تتحدث عن الأمن الاستراتيجي.
رؤية ثقافية
وتحدث د. أحمد زايد - عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة، قائلاً: الكتاب يعكس رؤية مثقف في فترة مبكرة من تاريخ مصر الحديثة، حيث يناقش فيه قضايا التعليم المختلفة وأهداف السلم التعليمي، إشراف الدولة على التعليم، المعلمون وإعدادهم، مناهج التعليم، الامتحانات، تعليم الفتيات الخ وكان طه يرى أن للتعليم وظيفة أساسية عامة وأولية.
وهي إعداد الناس للتعامل مع معطيات الثقافة المعاصرة والتفاعل الإيجابي معها. وأضاف: كان لطه حسين جهود تربوية واضحة، حيث كان أحد دعاة إرساء استقلال الجامعة من خلال الممارسات المتعددة، وكان منها رفضه رغبة الحكومة في منح درجة الدكتوراه لأربعة من كبار السياسيين، مما جعل إسماعيل صدقي ينتهز الفرصة ويقوم بنقله كمراقب في وزارة المعارف، وحين رفض استلام الوظيفة قام بفصله.
ورغم ذلك كله لا ينكر منصف أنه كان للدكتور طه حسين فضل توحيد التعليم الابتدائي أثناء عمله كوزير للمعارف أثناء تولي الوفد الحكم عام 1944، كما كان له فضل مجانية التعليم الثانوي، وفضل دخول أول أربع فتيات في الجامعة في عام 1928، كان منهم المرحومة د. سهير القلماوي، وجهوده في إنشاء جامعة الإسكندرية، وأخيراً فإن طه حسين باعتقاده لا يزال مصدر إلهام وخاصة في مجال الثقافة والتعليم.
وحدد د. كمال مغيث أستاذ التربية بجامعة القاهرة الأهداف الأساسية للتعليم عند طه حسين في أربع نقاط أولا: إعداد الإنسان للتفاعل مع الثقافة المعاصرة، وباعتقاده أن حال تعليمنا وخريجينا الآن لا يبشر بالخير، وثانيا: المواطنة، فقد كان طه شديد الانتقاء للتضارب والهويات المتعددة في التعليم، ولذلك فقد سعى إلى توحيد التعليم الأساسي سواء كان في الأزهر أو التعليم الخاص أو الحكومي وثالثا:
الإعداد للمنهج العلمي وباعتقاده أن سيطرة الدروشة على التعليم والفضائيات قد جعلنا نتراجع خطوات إلى الخلف، ورابعا: المهارات التي يفتقدها أبناؤنا، حتى إن شهادة الإعدادية على سبيل المثال صارت لا تعني أن حاملها يجيد القراءة والكتابة وهذا ما يؤكده المعلمون أنفسهم.
وانتقد د. كمال الاهتمام المبالغ فيه على صعيد التربية والتعليم بالمسائل الجزئية كالمجموع، والامتحان إن كان في مستوى الطالب المتوسط ومن المقرر أم من خارجه ومدى صعوبة الأسئلة، والضرب في المدارس والدروس الخصوصية، وغيرها بينما تغيب القضايا الكبرى من نوعية الخريج، وماذا يقرأ وكيف يتكلم ويفكر ويتفاعل مع الآخرين، وإنه في ظل هذه السطحية والتفاهة تأتي موجة الأغاني والأفلام الهابطة، وباعتقاده أن نوعية التعليم كانت السبب المباشر في انتشارها!
فعاليات ومعوقات
د. صلاح قنصوة الأستاذ بأكاديمية الفنون بالقاهرة قال إنه على مدى تاريخ البشرية كانت الثقافة هي مجموعة فعاليات ومقولات إنسانية تشكل في نهاية الأمر الطبيعة التي يحاول الإنسان توظيفها واستثمارها من أجل السيطرة عليها حتى يتمكن من السيطرة على الآخرين ليس لتدميرهم وإنما كامتداد وتوسع لإمكانياته وتطويرها!
وأضاف: إنه لكل جماعة إنسانية ثقافتها التي تتطور بتطور الزمن، منتقداً ما يسمى بالغزو الثقافي، وأن الغزو لا يكون إلا بالسلاح، أما في الثقافة فإن ذلك يكون تفاعلاً أو قد يكون لفئة من الفئات مصلحة ما في ترويج وفرض ثقافتها على الثقافة الموجودة على غرار ما يحدث في الفضائيات التي تقوم على الاختيار والانتخاب وتمثل صاحب القرار أو السيطرة في هذه المرحلة!
أما الكاتب الصحافي د. مصطفى عبدالغني فأكد أن كتاب طه حسين يبدأ بتحليل العقل المصري مبديا تساؤله حول طبيعة انتمائه للشرق أم للغرب، وأن مصر تمتد علاقاتها بالشرق منذ العصور القديمة ما قبل الميلاد، وإن كان فيها نوع من الصراعات وخاصة مع الغزو الفارسي لمصر، إلا أن مصر كانت دائما تتجه نحو الشمال متفاعلة تفاعلا خلاقا مع العقل اليوناني.
ومن هذه الفكرة يطرح طه حسين أطروحته الأساسية إن مصر حتى تتقدم فإن ذلك لا يكون بالتخلي عن تراثها أو حضارتها أو دينها وإنما بمزج ذلك كله بالنظام والثقافة والتعليم الأوروبي الذي كان شديد الانبهار به.
القاهرة ـ نهال قاسم
