تمكنت بعض المدن في وسط أوروبا من توسيع أفق القطاع السياحي بحيث أن الزائر لم يعد يكتفي بزيارة الأماكن الطبيعية الجميلة والآثار التاريخية القيّمة، بل أخذ يسعى لاستكشاف بواطن الأرض وما تخبّئه من أسرار وأحيانا من معاناة إنسانية كبيرة،ففي سلوفاكيا على سبيل المثال كان يوجد في الماضي الكثير من مناجم الذهب والفضة وأصبحت في الوقت الحاضر مجرد «ذكرى» يحاول من خلالها الشعب السلوفاكي الإشارة للمآسي التي كان يعاني منها أجداده لتحقيق النمو والازدهار.

ومدينة «بانسكا شتيافنيتسا» المتربعة وسط طبيعة خلابة والمحمية من قبل منظمة اليونيسكو تعتبر في الوقت الحاضر إحدى أبرز المدن التي كانت تحتضن في السابق مناجم الفضة والذهب، واشتهرت عبر التاريخ من خلال مدرستها الفريدة من نوعها والأولى في أوروبا التي كانت تتخصص في تدريس علم المناجم، وعندما يذكر اسم هذه المدينة أمام أي مواطن سلوفاكي فان أول ما يتبادر إلى ذهنه من مواصفات تنطبق عليها هي «المناجم» و«المعاناة» و«التاريخ» و«الثراء».

وتفيد الروايات الشعبية التي يتم تناقلها في هذه المنطقة، بأن راعيا بسيطا هو الذي اكتشف الثراء الذي تتمتع به المدينة، حيث لاحظ أثناء وجوده بالقرب من إحدى السواقي سحليّتين ممّن ظهرت عليهما ألوان الفضة والذهب،وعندما حاول التقاطهما رفع الحجر الذي كانا يختبئان تحته فعثر على بعض مصادر الذهب والفضة، وقد انتشر الخبر بسرعة البرق مما أدى لزيادة عدد المستوطنين في المدينة، في حين أصبحت السحليّتان رمزا يُحترم بين الأوساط الشعبية لدرجة أنهما وضعا لاحقا في الشعار الرسمي للمدينة.

لكن الزائر لمناجم بانسكا شتيافنيتسا اليوم لا يلمس إلا حجم المعاناة التي كان يعاني منها عمّال المناجم في تلك الفترة، فحجم الخطر الذي كان ماثلا في كل لحظة ووراء كل حجر يتم اقتحامه كان في حقيقة الأمر كبيرا جدا،وهذا تحديدا ما شعرنا به عندما غصنا مؤخرا حتى عمق خمسين مترا في أنفاق هذا المنجم برفقة عامل متقاعد، حيث أطلعنا على بعض التجارب المريرة التي كان وزملاؤه يخوضوها قبل اختراع الآلات التي خففت من آلامهم قليلا.

وخلال الزيارة تعرفنا على مفارقة بسيطة لكن مؤلمة، «فالسائح» اليوم يتزود بوسائل راحة تساعده قليلا للمرور في أنفاق المنجم، أما في السابق فقد كانت التجارب قاسية لدرجة أن الطامحين بتحقيق الثراء لم يترددوا على سبيل المثال بتوظيف أبنائهم معهم في سن مبكر جدا ما أدّى لمقتل كثيرين منهم بسبب الإرهاق والمرض. ويبدو بأن هذه المفارقة هي تحديدا ما يحاول أبناء بانسكا شتيافنيتسا إظهاره اليوم لزوار المناجم الراغبين بالإطلاع على المعاناة الإنسانية الكبيرة التي كانت تختبئ وراء الثراء الذي كانت تتمتع به هذه المنطقة من العالم، إنها بطبيعة الحال نفس المفارقة التي أرادت منظمة الأونيسكو إظهارها عندما قررت وضع هذه المناجم تحت حمايتها.

براغ ـ حسن عزالدين