الخرافات لاتزال تضرب بجذورها في ثقافة الشعوب العربية، واستغل عديد من الدجالين والمشعوذين آلام الناس ومرضهم وأخذوا يستنزفون أموالهم و يستغلون سذاجتهم تحت وهم تخليصهم من مشكلاتهم العويصة وأمراضهم التي فشل في علاجها الأطباء فهم الأعلم والأقدر وينساق ضعاف النفوس والعقيدة وراءهم أملا في الشفاء وحل المعضلات.
احتار الأب الذي يعمل في منصب حساس في حالة ابنته المصابة بالصرع ، عرضها على الكثير من الأطباء الذين أكدوا له أن ما يحدث للفتاة شيء غير طبيعي وأن جميع وظائف جسدها سليمة،وحاول الأب جاهداً أن يجد تفسيراً لما يحدث لكن دون جدوى فالابنة بمجرد خروجها من المنزل تسقط على الأرض وتطلق صرخات متتالية وظلت على هذا الحال حتى بلغت سن الثالثة والثلاثين عاماً ، ونصحه أحد أقاربه بالذهاب إلى رجل قال له عنه أنه مبروك وسيجد عنده الحل ، لم يتردد الأب لحظة وصحب ابنته إليه أملا في شفائها.
ودخل الأب مع ابنته وزوجته غرفة الرجل - الذي اتضح انه نصاب ودجال -وكانت مليئة بالأبخرة والكتب وبعض رؤوس الحيوانات المفترسة ونظر للابنة نظرة تفحص ثم بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة فصرخت الفتاة وسقطت على الأرض وطلب الدجال من الأب والأم مغادرة الغرفة وبعد جلسة دامت ساعة ونصف لم يسمعا خلالها غير صرخات ابنتهما التي كان الدجال يضربها ضرباً مبرحاً من أجل إخراج الجان من جسدها خرج الدجال وقال لهم لا يدخل عليها أحد إلا بعد ساعتين على الأقل ولكن الأب نظر أثناء حديثه بالداخل فوجد ابنته ملقاه على الأرض وتسبح في بركة من الدماء فهرول إليها فوجدها فاقده الحياة متأثرة بضربها المبرح وامسك الأب بالدجال الذي كان يحاول الهرب وقبضت الشرطة عليه وأصدرت عليه حكمها بسجنه خمسة عشر عاماً.
وقصة أخرى بطلتها سيدة في الأربعين من عمرها ادعت أن لديها القدرة على حل مشاكل العاقرات وأنها على اتصال بعالم الجن السفلي الذي تسخره لخدمتها ذاعت شهرتها بمحافظات صعيد مصر واتخذت من الكهوف المهجورة باحد الجبال وكراً لممارساتها الشاذة وأساليبها الماكرة.
وبدأت قصة هذه السيدة حينما علم الناس عنها أنها ساعدت إحدى السيدات في الحمل بعد أكثر من سبع سنوات فأخذت تقصدها النساء من كل صوب وحدب وكانت تتبع حيلة حقيرة حيث تصطحبهم إلى أحد الكهوف المهجورة بداخل الجبل فيسيطر عليهن الخوف والرعب وكانت تحضر بعض الرجال إلى هذه الكهوف لممارسة الفحشاء معهن وتكون حفلات جنسية ولا تستطيع هؤلاء النساء الاعتراف لأزواجهن بما حدث لهن ولكن الشرطة نجحت في كشف ما يحدث وقبض على الدجالة ولاتزال تعيش بين غياهب السجن.
دراسة خطيرة
وأكدت دراسة حديثة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة أن العرب ينفقون مالا يقل عن عشر مليارات دولار سنوياً على أعمال السحر والشعوذة ويشارك فيها الفقراء والأثرياء وأن الأمر لم يعد مقصوراً فقط على البسطاء والجهلاء ، حيث كشفت الدراسة أن %55 من النساء المترددات حاصلات على مؤهلات عليا مقابل %24 ممن يجدن القراءة والكتابة وأن %21 من الأميات وتشير الدراسة أن هناك دجالاً لكل ألف مواطن عربي .
و أوضحت الدراسة أن أعداد الدجالين على مستوى العالم العربي بلغ نصف مليون دجال وأن الناس يلجأون إلى الخرافة حينما تضيق في وجوههم أبواب الأمل ويفقدون الثقة في الحاضر والماضي ويحاولون البحث في آفاق المستقبل بطرق خفية وغيبية ووجدت الدراسة أن دولتي المغرب وسلطنة عمان هما المعقل الرئيسي للمشعوذين والدجالين.
وهناك ما يقرب من عشرين ألف قارئة كف وأن %60 من النساء العقيمات يترددون على الدجالين و%62 من الفتيات يؤمن بعدم التحديق في المرآة ليلاً و%80 يرتدون الأحجبة أسفل ملابسهن ويضعونها تحت الوسادة، وأن من أشهر القري ترويجاً للخرافة هي قرية طناح التي تبعد عن شمال القاهرة 150 كم فالخرافة بها كالماء والهواء، وذلك لاشتهار أهلها بقراءة فنجان وعمل أحجبة وطرد الأرواح الشريرة ويوجد بها أغلى الدجالين حيث يحصل في الاستشارة على ألف دولار ولايستقبلون إلا النجوم اللامعة وأثرياء الخليج فتحول الدجل من مجرد عقيدة إلى بيزنس.
قلة حيلة وتعقيباً على هذه الدراسة يرى د. أحمد المجدوب بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية أن الخرافة هي الإبنة الشرعية للعجز وقلة الحيلة فعندما يفشل المجتمع في تفسير أي ظاهرة يتجه مباشرة لدق أبواب الخرافة والدجل لعلهم يجدون السبيل والحيوان الخرافة خرجت من رحم الطبقات الشعبية لتنتشر في أرجاء المجتمع إلى أن وصلت للعدالة فقد صدر حكم احدى محاكم الأحوال الشخصية بالطلاق لزوجة ادعت أن زوجها متزوج من جنية فتم الطلاق بسهولة.
وتعرف د. إيمان الشريف الباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن الخرافة هي خوف أو اعتقاد غير عقلاني في شيء غير معروف غامض أو متخيل أو اعتقاد غير يقيني، وكل هذه التعبيرات تشير إلى الموقف الخاطيء الذي يحكمه الخرافة دائماً وغالباً ما نمنحها غطاء نسميه حكمة القدماء أو علم التنجيم وفي النهاية تجد أن الخرافة لم تعد خرافة أفراد وانما أصبحت تياراً عاماً كاسحاً وعاصفاً يزلزل المجتمع من أساسه.
القاهرة ـ هشام نصر
