تفتح رحلات الكاتبة الفلسطينية ليلى البساط إلى سبع مدن بعيدة وغريبة النقاش الجدي حول الاختلافات الثقافية بأبعادها المناطقية والعرقية والدينية، وتأخذ الكاتبة القارئ من خلال كتابها( في ذاكرة الرحلات) ، إلى عوالم قديمة لا تطأها السياحة التقليدية، واستطاعت أن تصوغ منطقها الخاص وتحافظ على ذاتية لم تخضع لتأثيرات العولمة وتتبع نظما أخلاقية وفكرية فريدة.

مع بعثة أصدقاء متحف الجامعة الأميركية في بيروت كانت رحلة البساط الأولى إلى بورما عام 1999، ثم إلى أوزبكستان مهد الحضارة الإسلامية وبعدها أثيوبيا ومن ثم الصحراء الغربية لتتابع لاحقا بمفردها سياحتها الثقافية نحو القدس والمغرب وحلب، حيث دونت إبداعات شعوبها والتطور التاريخي والإنساني لمجتمعاتها.

وتقول الكاتبة التي عايشت عن كثب تجارب شعوب مختلفة لـ (البيان) إن لكل بلد زرته عظمة وأصالة، فبورما مثلا أدهشتني بزهد ناسها ونزوعهم نحو الروحانية والترفع عن أمور الدنيا، هم فقراء بالمال لكنهم مسكونون بالسلام الداخلي الذي ينبع من عادات صحية كالتأمل والعبادة وتناول الطعام الصحي، يشترون أوراق الذهب المتوفرة بكثرة هناك ويلصقونها على أبواب معابدهم متى تسنى لهم رغم أسعار الذهب المرتفعة وإمكاناتهم المحدودة، بيوتهم كلها من الخشب والقصب ولديهم طرقهم التقليدية في الزراعة والصيد، مطبخهم يشبه إلى حد بعيد المطبخ الفيتنامي والهندي القائم على الأرز والأسماك والبهارات والأعشاب الغريبة التي تفوح روائحها حيثما توجهت.

تصوغ البساط من وراء كل مدينة قصة مشوقة فأوزبكستان كانت بالنسبة لها سمرقند أمين معلوف ومآثر تيمور لنك وجنكيز خان وغيرهم، لكنها اكتشفت ما هو أعمق، فأوزبكستان التي خرجت لتوها من تحت سيطرة الحكم الشيوعي كانت قبلا وموئلا لكبار الفلاسفة ولرجال التاريخ وعظماء المسلمين، حيث مر عليها ابن سينا والفارابي وإسكندر المقدوني وعالم الفلك الكبير البيروني والفرغاني الذي يأخذ العرسان الصور التذكارية أمام قبره.

إضافة إلى ضريح جحا الذي يقصده الجميع للفكاهة والتندر. وتضيف البساطي: أذهلتني أوزبكستان بالفسيفساء والقناطر وانفتاح حضارتها القديمة على الطب والفلسفة والموسيقى، يكتشف ناس تلك المدينة دينهم الإسلامي من جديد بعد سنوات القمع، لا يؤدون الصلاة كباقي المسلمين لكنهم يؤذنون على الملأ يوم الجمعة دون مكبرات صوت داعين إلى الصلاة وعبادة الله.

تمضي البساط قدما نحو أثيوبيا أرض الفقر والجوع حيث الكنائس القديمة المحفورة في الأرض والطقوس الغريبة وشح المياه، وتنتقل بعدها إلى الصحراء الغربية، ثم إلى المغرب البلد العربي المتمسك بأصالته ولغته وتراث بلاده الشفاهي رغم سطوة الاستعمار وانتشار اللغة الفرنسية الواسع النطاق، وصولا إلى حلب حيث التعايش الإسلامي المسيحي والمحافظة على التراث المادي والتقاليد العربية.

وأخيرا إلى زهرة المدائن القدس مسقط رأس الكاتبة التي وصفت المدينة بسطور من الانفعال والعاطفة والحزن، وركزت على محاولات تهويد هذه المدينة العربية وإلغاء الأديان الأخرى وجهود المقدسيين للمحافظة على تراثهم الديني وتاريخ مدينتهم وجذورها، وسلطت من خلال رحلتها إلى القدس الضوء على روعة الكنائس وعظمة المساجد وتمازج الديانات مع بعضها البعض حتى تجد للنبي الواحد دلالات لدى كل الأديان، إضافة إلى أسواقها القديمة وعمارتها التاريخية المميزة.

تعطي البساط في كتابها قيمة جمالية لكل ما رأته وقيمة للجهد البشري الفردي البعيد عن تأثير الآلة، لذلك جاء كتابها مميزا من الناحية الفنية ابتعدت فيه إلى حد كبير عن التكنولوجيا لجهة التغليف والتوضيب والرسوم، وقد أشرفت عليه المديرة الفنية لقسم الغرافيك ديزاين في الجامعة الأميركية ليلى مصفي وصممت الرسومات لارا قبطان وترجمته جويس سعيد ومن تصميم وإنتاج ديزاين هاوس.

بيروت ـ ثناء عطوي