بعد مرور الأسبوع الأول من الرحيل بعيدا، عن أمكنة ألفناها، وألفتنا، تبدأ كرة الحنين الثلجية بالتدحرج نحو القلب، تبدأ بهرس الوقت، ومع مروره تكبر، وتكبر، حتى تصل القلوب الحناجر فنعود ولهى إلى مرابعنا من جديد..
«الصيف مجاعة إلى الحنان»..
لا أدري أين قرأت بيت الشعر المترجم هذا،
لكنه يعبر عن القلق المحفز الذي يعترينا بالذات في هذا الفصل الذي ارتبط بحزم الحقائب والسفر والنأي عن الديار، نبتعد فترن كلمات الشاعر في الأذن:
أمر على الديار ديار سلمى
اقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
لم أكن يوما محباً للمدن الكبيرة، الضخمة، المترامية الأطراف حيث لا يمكنك ولو بالنظر لملمة أطرافها، المكتظة بغابات الاسمنت والزجاج العاكس لأشعة الشمس المحرقة، أشعر بقساوة مضاعفة، كنت ومازلت أشعر بالرهبة واليتم وأنا في مثل هذه المدن وتعتريني حالة من التوهان. كم عشقت مدن الطين، منه خلقنا واليه نعود.
دون ملامسة شفيفة لكينونة ومكونات هذا المكان الذي نحل فيه، أبنية من طرز مختلفة، شوارع، ساحات عامة، بحمامات السلام تحط على رؤسنا بوداعة، أبنية أثرية معتقة، شرفات مزينة باصص الورد الملونة، شواطئ ورمال معجونة بعرق الأجساد المستلقية ببذخ وتكاسل، حيث يجتاحنا حنين غريزي، فطري، تحسس فيزيقي تشترك فيه كل الحواس، من النظر إلى الشم إلى اللمس والانصهار في هذا الكرنفال الملون المشترك بين لوعة الأشواق ومشكلة الحرمان المزمنة.
اذكر أول رحلة قمت بها لأداء العمرة إلى الديار المقدسة بناء على اقتراح مجموعة من الأصدقاء عن طريق البر، بمجرد مغادرتنا آخر نقطة حدودية، أحسست ان الجغرافية الروحية بدأت تتغير هكذا اشر لي بارومتر الإحساس وبوصلة الأشواق، بل حتى الجغرافية الطبيعية بدأت بالتغير، حتى إسفلت الشارع، وشكل وتصميم محطات تعبئة الوقود، اكل المطاعم حيث الأرز البخاري والكبسة هما سيدا الموائد.
أحب المدن التي استطيع ان أتمشى في شوارعها، مشي حقيقي على الأقدام، واجد متعة في هذا النوع من التسكع الروحي بلا هدف، لاستكشاف كنه هذه المدن، والاختلاط بناسها، وروائحهم، في الأسواق، في حافلات النقل العام، في عربات المترو حيث تعتريني كآبة مصدرها خوف مزمن من مطوي مجرم قد يظهر لك هكذا من حيث لا تدري ليبتزك، لا يمكنني ان انسج علاقة حميمة بالمكان، أي مكان، ليس مع المدن فقط، المطارات، محلات السوق الحرة حيث تعبا الأشواق الحارة في زجاجات عطر فرنسي حارق نأخذها هدايا لمن نحب، بل حتى مع المقابر التي اعشق هدوءها الأزلي، حيث يمكن ان تذرف ما تيسر لك من الدمع على من فقدت دون عيون فضولية. لو تفصل القبور لفصلت لي قبرا في مقبرة «الفوعة» حيث أمي وأبي هناك.
المكان، عشقه فلسفة، لا يتذوقها سوى الشعراء والأمهات والأطفال... وما الشاعر سوى طفل حافظ على طفولته الطازجة يلهو بعذاباته وينظمها قصائد..
تبقى المدن كالنساء، لابد ان يتركن شيئا من أثارهن على قمصاننا وماقينا عند المغادرة.
المسألة ليست فقط جغرافيا، بقدر ما هي أرشفة لذيذة لحيوات عديدة نعشها في السفر..
الم أقل لكم إن «الصيف مجاعة إلى الحنان»..