إبراهيم محمد صالح (أبو محمد)، في السبعين من العمر، أسرته مكونة من ستة أبناء وأكثر من 13 حفيداً قائمة على الوئام والحب والتفاهم، يجتمعون كل يوم جمعة وفي مناسبات الأعياد والعطل في بيت واحد، في هذه الرحلة القصيرة مع (أبو محمد) ومع أسرته، تعرفنا عن قرب على طبيعة العلاقة التي نشأت بين الأسرة الواحدة، والنشأة التي تربى عليها رب هذه الأسرة، وكيف كون حياته من الصفر حتى أصبح أباً يضرب به المثل.
يقول إبراهيم: بدأت حياتي وأنا في سن صغير في أكثر من عمل بحثاً عن لقمة العيش واغتربت إلى الكويت وعملت فيها بأجر يومي ثلاث روبيات، منها مصروفي اليومي إلى جانب ما ابعثه إلى عائلتي في عجمان، وأيضاً كنت ادخر جزءاً، وعندما زاد الأجر من ثلاث روبيات إلى 11 روبية أصبح وضعي أفضل، ولكن الحياة في الغربة تظل صعبة، لذلك عدت في الستينات إلى عجمان، إلى أن قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بفتح مكتب في الشارقة تحت مسمى (مكتب حكومة أبوظبي) لتقديم خدمات صحية وتعليمة، وكان ذلك في عام 1968 واشتغلت فيه 6 سنوات بوظيفة فراش. ومع قيام دولة الإمارات وإنشاء وزارة الإعلام وافتتاح فرع لها في دبي انتقلت للعمل في الفرع تحت رئاسة عيد الفرج الذي يعد اليوم من المهتمين في التراث الخليجي، وخلال هذه الفترة ساهمت مع آخرين في تأسيس أول فرقة موسيقية تابعة لوزارة الإعلام، ومع بدء إنشاء متحف عجمان طلب مني التفرغ للمتحف بتوجيهات سامية، وبمهمة جمع التراث والبحث عن كل ما يرتبط بالمجتمع في عجمان، وقمت بهذه المهمة كاملة.
وفي منزل إبراهيم التقينا أبناءه وأحفاده، وتحدث إلينا الابن خالد الذي قال: احمد الله إنني وإخواني نشأنا على تربية دينية غرسها فينا الوالد منذ كنا أطفالاً وحتى اليوم، كان الوالد يدرك أن استقامة أبنائه تأتي بالدرجة الأولى من المحافظة على الصلاة، لذلك كان حريصاً على أدائنا هذا الفرض وخاصة صلاة الفجر، إلى جانب كيف نحترم الآخرين ونكون عطوفين على بعضنا البعض، وقبل كل ذلك أراد أن نتعلم ونكمل دراستنا وان نتخرج بمستوى تعليمي عالٍ حتى نستطيع خدمة الوطن كل بحسب تخصصه، ولذلك فقد كان أباً ومدرساً في الوقت نفسه، وفي جانب التربية لم يكن قاسياً جداً ولا رقيقاً بل اعتمد أسلوب الوسطية في التربية والتوجيه، وهذا ما نغرسه اليوم في نفوس أطفالنا فما علّمه لنا الوالد نعلمه أولادنا.
وعن معاملته لهم خاصة وإنهم أصبحوا كباراً قال: معاملته لم تتغير منذ كنا صغاراً وحتى اليوم، فمن طبيعة الوالد عندما كنا صغاراً انه يمازحنا ويلعب معنا، بل أول دخوله البيت يذهب مباشرة إلى الوالدة ليطمئن عليها، ومن ثم يأتي إلينا ويشاركنا ألعابنا، ومن الأشياء التي نراها دائمة على وجه البشاشة والابتسامة، وهذه كانت تعني لنا الكثير، ومن المفارقات الجميلة أن أسلوب الوالد معنا في الماضي يسترجعه اليوم مع أحفاده فهو لم يكتف باللعب معهم، بل يطلب منا أن نخرج جميعاً إلى رحلات خارج البيت لكي يكون الأطفال أكثر حرية.
وهو نفس الأسلوب الذي كان يتبعه معنا ونحن أطفال، وأقولها بصراحة إن اهتمام الوالد بمحافظته على التراث والاهتمام به خاصة وانه واحد من الذي انشأوا المتحف الوطني بعجمان، جعلنا نحن أيضاً نهتم بالتراث ونرى فيه ماضينا وأصالتنا وتاريخنا، واحمد الله أن احترام الجميع للوالد اكسبنا احترام الناس لنا وهذه نعمة من نعم الله علينا.
ويحدثنا الابن الثالث أحمد عن العلاقة التي تربطه وأسرته بالوالد فقال: حرص الوالد على الاتصال اليومي بنا وبأخواتنا البنات، حيث يسأل عنا باستمرار، ومن عاداتنا المستمرة منذ وقت طويل أن نشاركه أنا وأشقائي وجبة العشاء يومياً، وهذا التقليد يقوي من تماسك الأسرة ومن تعاطف إفرادها وإحساسهم ببعضهم البعض، وعن الأبناء يقول خالد: لي ابنة واحدة عمرها عام واحد وهي اصغر أحفاد الوالد، والحفيد الأكبر سعيد وعمره 14 عاماً، وعدد الأحفاد 13 حفيداً، ونحن ثلاثة أشقاء وثلاث شقيقات، أخي الأكبر متقاعد وأخي خالد ضابط في الجيش وأنا اعمل في الشرطة، بينما شقيقاتي احداهن ربة بيت والأخرى موظفة والأخيرة في الجامعة، هذه هي أسرة عائلة إبراهيم محمد صالح التي تعيش على أسس الحب والتفاهم التي غرسها فينا وبأبنائنا الوالد أطال الله في عمره.
عجمان ـ جميل محسن


