إضافة إلى الجريمة والعنف وكميّات الدماء التي تُسيلها المافيا الصقلّية، ومليارات الدولارات التي تحرّكها في الأسواق العالمية، فإن عالم مافيا «كوزا نوسترا» الصقليّة ما زال يحفل بما يتجاوز في كثير من الأحيان ما أوردته مخيّلات صانعي السينما وكتّاب الأدب البوليسي.
فبعد سنة ونيف من اعتقال العرّاب الأكبر بيرناردو بروفينتسانو بعد 34 سنة من الإختباء على بعد بضعة كيلومترات من مسقط رأسه، شهد هذا العالم واقعة جديدة تصلح لأن تكون شريطاً سينمائياً، فقد اعتقلت شرطة باليرمو أول من أمس أحد أخطر عرّابي المافيا في صقلية الذي كان قد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد لاتهامات ذات صلة بالمافيا.
فرانتشيسكو فرانشيزي ( 43 عاماً)، الذي كان قد توارى عن الأنظار لأكثر من عشرين سنة، لم يبتعد في حقيقة الأمر كثيراً عن مسقط رأسه ومكان سلطته المافيوية وبقي في منطقة مونديللو، وعلى العكس من عرّابي المافيا المتوارين الآخرين الذين لجأوا إلى مخابئ آمنة لسنين طويلة.
فإن «جرأة» فرانشيزي وتحدّيه للسلطات تجاوزت كل الحدود، فقد كان المافيوي المختفي والمحكوم عليه غيابيا بالسجن المؤبد منذ مارس 2006، يعمل كرئيس للعمال في شركة إنشاءات، ولم يكتف بهذا العمل بل كان مسؤولاً عن شؤون الأمن في الشركة ومسؤولاً نقابياً (نظيفاً) في الشركة ذاتها.
أي أنه كان الشخص الذي يتعامل بشكل يومي مع السلطات ومع الجهات الرسمية في المدينة، ولم تكتشف السلطات هويته الحقيقية إلاّ في مايو الماضي بعد أن تعقّبته بسرية تامة وكشفت شبكة علاقاته وأنه لم يكن يكتفي بالعمل كمصدر للرزق وكغطاء.
بل كان يُسّمن جعبته من خلال ما كان يفرضه، عبر «عائلته» من إتاوات على سكان المنطقة والتجار فيها. وكشفت التحقيقات أيضاً أن العراب كان يُعد العدة لعملية تفجير إلاّ أن الشرطة لم تكشف بعد المعلومات الدقيقة حول المُستهدف من العملية.
لدى القبض عليه كان فرانشيزي بصحبة اثنين من أبناء عمومته وشخص ثالث، وفي لحظة الاقتحام توقُع العراب أن العملية من تنفيذ إحدى العصابات المناوئة له، إلاّ أنه لم يأت برد فعل عندما أدرك أن لا مجال للهرب، كما كان فعل في مايو الماضي حين تمكّن من الفرار من كمين كانت الشرطة نصبته لاعتقاله.
وعثرت الشرطة في مخبأ فرانشيزي على عدد من الرسائل المافيوية المشفّرة التي يعود أصلها إلى العراب الأكبر بيرناردو بروفينتسانو الذي قبض عليه في أبريل 2006، وهي الرسائل التي تعوّد العرابون الكبار تداولها لنقل الأوامر أو لتحريك المخططات.
وكانت عبارة عن مراسلات مع العراب سلفاتوري لو بيكّولو الذي يقود منطقة سان لورينتسو والمختفي منذ أكثر من عشرين سنة، وإضافة إلى المراسلات كشف المحققون سلسلة من الرسائل المشفرة التي تحمل تهديدات موجّهة إلى التجار تنذرهم بدفع الإتاوات، وسجلاً تضمّن أسماء ضحايا الابتزاز وأرقام المبالغ المتقاضاة.
روما ـ عرفان الزهاوي
