ذاكرة بيروت القديمة والحديثة المتراكمة والمشتتة بين أدراج ودوائر ستلتئم في متحف ضخم يحتل واحدا من أروع المباني التراثية في وسط العاصمة، وسيضم المتحف تاريخ بيروت الأركيولوجي ابتداءً من المرحلة البرونزية وصولا إلى اليوم، ويوثق بالصورة والمراجع لمراحل المدينة التاريخية وأحداثها المفصلية من خلال الأبحاث والدراسات التي سيتم جمعها وعرضها بشكل علمي داخل المتحف.

المبنى التراثي الذي اختارته بلدية بيروت مركزا لمتحف ذاكرة بيروت يشكل بحد ذاته ذاكرة مستقلة لحقبة الحرب الأهلية الأسوأ في تاريخ المدينة، كونه ظل لسنوات طويلة متراسا على خطوط تماس الإقتتال بين اللبنانيين، ولا تزال آثار العنف والدمار تطبع معالمه حتى اليوم، فهو لم يشهد خلال مرحلة السلم الأهلي ورشة تزيل عنه بصمات الحرب وبقي شاهدا مشوها غير متكرر وسط منطقة تعج بالحياة.

مشروع المتحف ينطلق بتعاون وتنسيق فرنسي - ألماني كما أوضح نائب رئيس مجلس بيروت البلدي توفيق كفوري لـ (البيان)، ولفت إلى أن بعثة فرنسية جاءت خصيصا إلى لبنان من قبل بلدية باريس الصيف الماضي وزارت موقع المبنى ووضعت ملاحظاتها.

وأشار إلى أن خبراء ألمانا بدأوا العمل على دراسة المعطيات الحالية لمعالم المبنى الذي يترسخ فيه مفهوم الأصالة، على أن تعقب ذلك مرحلة التحليل الدقيقة لإختيار شركة ذات مواصفات عالمية تقوم بأعمال الترميم والتأهيل لتصبح للمبنى وظيفة جديدة تثقيفية، ويتحول إلى متحف وملتقى ثقافي وحضاري، ومركزا لحفظ الدراسات والأبحاث التي تتناول المدينة وتاريخها.

يعود تاريخ المبنى الإنشائي إلى عشرينيات القرن الماضي، ويقع مبنى المتحف الجديد على تقاطع السوديكو ـ طريق الشام ـ جادة الإستقلال، ويمتد العقار الواقع ضمن نطاق الأشرفية على مساحة 1009 أمتار مربعة فيما يبلغ مجموع المساحة المبنية من طابقين أرضيين تعلوهما ثلاثة طوابق، 2780 مترا مربعا.

ويتميز المبنى بواجهاته التراثية القديمة ولونه الأصفر الطيني والعقود العشرة التي ترفعه وتشكل أساساته المتينة وبأرضياته الرخامية وأسلوب عمارته الفريد الذي ينتمي إلى حقبة تاريخية محددة تطبع هويته، وينفرد المبنى بحسب كفوري بخصائص معمارية فريدة لا تتوافر في معظم المباني التراثية في المشرق العربي.

حيث يشير كفوري إلى أن فرادة المبنى تكمن في تعامله مع السماء والأرض وهو يفتح ذراعيه لاستقبال المدينة وصدره لضوء الشمس، ويلفت إلى أن استملاكه من قبل بلدية بيروت جاء انطلاقا من أهمية الحفاظ على هذا المعلم الثقافي من أجل استمراره لفترة أطول، وأكد أن أعمال الترميم والتأهيل ستتضمن تقوية المبنى.

ومعالجته من عوالم التلف والانهيار وسيكون التدخل ضمن معايير دقيقة ووفق تقنيات المعلم القديم، على أن يعاد ترميم واجهاته وفق الأصل بدون أي تغيير ليكتسب طابعا جماليا وحضاريا مميزا، ويوضح كفوري أن المبنى سيضم إلى جانب المتحف مكاتب للتنظيم المدني لبلدية بيروت ومواقف تحت الأرض.

ولمتحف «ذاكرة بيروت» ذكريات لدى أصحاب المبنى الأصليين من آل بركات، الذين أنشأوا المبنى بتوقيع المهندس يوسف أفتيموس المعروف في تلك الفترة، والذي هندس مبنى الأوبرا القديم في وسط بيروت، ويملك المحامي بول بركات حفيد العائلة المالكة الكثير من المعطيات عن المبنى الذي أنشأه جده نقولا بركات عام 1924 وشكل تحفة هندسية ومعمارية مميزة، ويقول المحامي بركات:

«لقد سكن أخوالي المبنى وكان عبارة عن شقق متوسطة الحجم فخمة يدخلها ضوء الشمس على مدار الساعة، وكان يوجد في الأسفل محلات تجارية راقية أقفلت عند اندلاع الحرب الأهلية وهاجر بعدها أقربائي إلى بلدان عديدة وتحول المبنى إلى متاريس تفصل بين منطقتين»، ويشير إلى أن التوجه لدى الورثة من آل بركات كان بناء فندق بعد أن وضعت الحرب أوزارها، «إلا أن قرارا صدر بتجميد الأشغال وتبعه آخر باستملاك العقار من قبل بلدية بيروت تحت عنوان المنفعة العامة»، ويختم قائلا:

«لم نكن راضين عن القرار وفضلنا بقاء المبنى ملكا لنا حفاظا على إرث العائلة، لكننا لم نتمكن من استعادته وكل ما نستطيع عمله هو التمني على اصحاب الشأن الإستفادة من المبنى بطريقة جيدة ليستفيد منها أبناء الوطن وليستعيد بدوره قيمته التاريخية الحقيقية».

بيروت ـ ثناء عطوي