دخت دوخة الأرملة العرقانة التي تجري على عيالها في هذا الحر اللاهب والرطوبة القاتلة التي تقطع الأنفاس وأنا ابحث عن بطاقة سالك، سلك الله أمورنا وأموركم وأمور المسلمين أجمعين. والحكاية تبدأ كالعادة معنا من كوننا لا نتجهز للشيء إلا في اللحظات الأخيرة ولا نتحزم للأمر الخطير إلا قبل وقوعه بثوان، مع إنني ولا أكتمكم القول، رأيت بأم عيني أناسا من العجائز والشواب في أوروبا يتجهزون ليوم تركهم هذه الدنيا الفانية.

ويتفاوضون باستفاضة مع متعهد الدفن والمسؤول عن مراسم الجنازة (الحانوتي) على الطقم الذي يود ان يرتديه في حالة تحوله إلى جنازة، ويتفاوض على حجم وشكل شاهد القبر الذي يرغب ويشتهي ان يوضع على قبره بعد عمر طويل، والعبارة التي سيختارها لتكتب على شاهد القبر، وقبل هذا وذاك يجتهد في توفير ثمن مساحة الأرض التي ينبغي ان يشتريها في المقبرة ليحفر فيها قبره قبل ان يحين الأجل المكتوب بسنوات.

ولا أقول شهورا بعد ان يكون قد ذهب عدة مرات إلى المنجرة لاختيار نوع خشب التابوت الذي سيحمل فيه. في الأسبوع الأول من بدء تطبيق نظام سالك، مع ان الموعد أعلن عنه قبل شهور، ولكن كما هي عادتنا عمك أصمخ ولا نستفيق إلا عندما يقع الفاس بالراس أو قبل وقوعه بعدة ثوان!

بدأت الحكاية معي من العين، وكنت قادما إلى دبي، وقبل ان أغادرها توجهت إلى محطتي بترول وأنا في طريقي ابحث عن بطاقة الحظ السعيد، المحطة الأولى في المسعودي نصحني فيها العامل الهندي باني بالتأكيد سوف أجدها في المحطة التالية في الفوعة، خرجت بعد الفوعة خارج حدود المدينة، وبعد السؤال في المحطة الثالثة من أدنوك على الطريق نصحني العامل الفلبيني بالتوجه إلى المحطة التالية والتي سوف امر بها في منطقة الفقع، وفي الفقع نصحني اخ زول لطيف بان ابحث عنها في محطة ايبكو القادمة.

وفي محطة ايبكو نصحني أخ هندي ألطف بان ابحث عنها في إحدى المحطات القادمة في شارع الإمارات، قبل ان أتوجه طبعا إلى اجلي المحتوم إذا ما كنت قاصدا جسر القرهود او شارع الشيخ زايد.

دخلت شارع الإمارات وعيوني تبحث عن اشارة سالك وكان مقصلة لويس السادس عشر قد نصبت لي، وجاك الموت يا تارك الصلاة، فصرت كالمشدوه افرك عيني وانا ادقق النظر في الجانب الأيمن من الطريق ومعي أربع عيون أخرى (اثنان من الأبناء كانا يساعداني في هذه المهمة المستحيلة) ولمحنا من على البعد صورة شيشة بترول فصرخ الأبناء صرخة رجل واحد الشيشة الشيشة على يمينك.

وبالفعل شخطت بريك طار على أثره العقال واستقر في حضن الولد، بجانب الشيشة تماما وعلى بعد بوصات معدودة من الشارع الترابي المؤدي إلى مدخلها، والذي يبدو انه لا يسمح بدخول سيارات الصالون الخرعة لأني رأيت فقط نسافات وشاحنات من ذوات الفك المفترس التي تمخر بأساطيلها عباب شارع الإمارات عادة، هي التي تجرأت على دخولها.

المهم أرسلت اكشن مان إلى الشيشة لشراء بطاقة سالك قبل ان نهلك، وبالفعل هرول الولد مسرعا والعرق يشوخل وبعد دقائق مضت كالدهر رجع طبعا بخفي حنين، وهو يشير لي بيده إلى الشيشة القادمة، يا الهي لم يبق أمامنا الا شيشة واحدة وكأننا بعدها سندخل بحر الظلمات.

ولحسن الحظ في هذه الشيشة الأخيرة بالذات وكما يحدث عادة في أفلام الأكشن الأميركية وجدنا اخيرا بطاقة سالك، فحمدت الله واثنيت على عنايته ولطفه بعبيده، وبدأت أتلقى التهاني والقبلات الحارة من الأبناء اكشن مان وسبايدر مان، وكدت اقبل خشم العامل الفلبيني الذي بشرنا تقول جانا ولد جديد او منتخبنا اخذ كأس اسيا.

ولكنها يافرحة ماتمت، فاجأني نفس العامل صاحب نفس الخشم بقوله بانه لا يستطيع ان يبيعنا البطاقة لان الاستمارات التي ينبغي ان تدون فيها معلومات المشتري قد نفذت، فكدت اهجم على خشمه وأعضه هذه المرة. فقلت بأني لن اخرج من هذه الشيشة بدون هذه البطاقة وهي مسألة حياة أو موت، ويبدو ان صوتي كان مرتفعا بعض الشيء.

بحيث التفت الي تقريبا كل رواد الشيشة الذين كانوا متواجدين ورمقوني بنظرة لا تخفى دلائلها عليكم، وبعد إصرار مني نصحني العامل بان أرى المسؤول عن الإدارة، وكان شخصا لطيفا بالفعل هدأ من روعنا وسألني عن وجهتي فقلت إلى احد السناتر التي في ديرة، فقال لا فض فوه خذ الجسر القادم اتجه إلى الأمام وستجد نفسك عند السنتر المطلوب دون الحاجة لبطاقة سالك.

وفيما لو رجعت إلى العين من نفس هذا الطريق أيضاً سوف لن تحتاجها، وهكذا ببساطة شديدة بدد حالة الهلع التي رافقتنا بدون مبرر طوال الطريق اللهم الا جهلنا بنظام سالك والإنسان عادة هو عدو ما جهل و... سلامتكم!

aalsanjari@yahoo.com