تعتبر السياحة الصحية في بولندا تقليداً تمتد جذوره إلى أكثر من 200 عاما، وينتشر في 75 مدينة وقرية أكثر من 320 منتجعاً صحياً توفر خدمات صحية فريدة من نوعها. ويبرز من بينها منجم قديم للملح اسمه فيليتشكا.
في هذا المنجم، الذي لا يزال يستخرج منه الملح على عمق 130 متراً تحت الأرض والذي يعد الأقدم في العالم، تقام دورات لما يعرف بتمارين الإيروبيك ليست كنظيراتها المنتشرة عبر العالم، ذلك أن المدرب هنا عبارة عن معالج فيزيائي والتلاميذ أشخاص يعانون من مرض الربو.
الفضائل العلاجية للهواء الملحي تساعد كل عام مئات الأشخاص المصابين بأمراض تنفسية على استعادة التنفس في مركز صحي مقام في منجم فيليتشكا، الواقع على بعد 15 كيلومترا من مدينة كراكوفيا في جنوب البلاد.
مقابل 500 يورو، يمضي المشاركون في الدورة، المحولون إلى المركز بوصفات طبية رسمية ومعظمهم من المصابين بالربو والحساسية، يمضون 14 يوماً في أعماق المنجم في مأمن من الجراثيم والغبار، حيث يقوم خبراء في الصحة التنفسية على مدار ست ساعات ونصف الساعة بتدريبهم على تمرينات جسدية وألعاب معينة لتحسين عملية السيطرة على التنفس وذلك بالاستفادة من البيئة العلاجية لمنجم الملح.
وتوضح مارتا رزيبيكا وهي اختصاصية في أمراض الرئة أن «هذا الهواء صحي لمرض الربو، لأنه منفصل تماما عن المواد التي تثير الحساسية. والمعدلات المرتفعة للرطوبة وكلور الصوديوم السائدة في أعماق الأرض تساعد كذلك على تجدد الأغشية المخاطية».
وتؤكد هذه الاختصاصية أن هذا العلاج فعال بالنسبة لـ 90% من الأشخاص وتقول: يلاحظ بين المرضى تحسن في وظائف النظام التنفسي كله، كما تلاحظ المعالجة الفيزيائية دوروتا وودنيكا أن «إحساسهم بالاختناق ينخفض والأطفال يتناولون مضادات حيوية أقل وتظهر عليهم أعراض أقل أيضا».
العلاج بالملح بدأ في فيليتشكا عام 1826، عندما أنشأ الطبيب فيلكس بوكزكوسكي أول مركز « ملحي»، حيث كانت تعالج أكثر من 30 مرضا عن طريق الحمامات الملحية وذلك على غرار الخصوبة والهستيريا والإنهاك، لكن هذا الأسلوب العلاجي توقف إثر وفاة بوكزكوسكي في عام 1855 واستؤنف بعد مضي قرن من الزمان بافتتاح المركز الصحي.
ويوجد في يومنا هذا العديد من المراكز الصحية لعلاج الأمراض التنفسية في مناجم منتشرة عبر بلدان وسط أوروبا عموما وفي رومانيا وأوكرانيا على وجه الخصوص. يذكر أن منجم الملح في فيليتشكا لم يتوقف عن العمل منذ القرون الوسطى وفيه 300 دهليز و بحيرات تحت الأرض ومتحف ويعتبر أحد أضخم الأماكن السياحية في بولندا، إذ يزوره أكثر من مليون سائح سنويا وفي عام 1979 أعلنته منظمة اليونسكو جزءا من التراث الإنساني.
