عندما يتم الحديث عن الحصان العربي الأصيل والتقاليد المرتبطة بتربيته والحفاظ عليه، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو تلك المزارع المنتشرة في بعض الدول العربية والأوروبية ذات التاريخ العريق في تربية الخيول، باعتبار أن العلاقة مع الحصان العربي تكون بطبيعة الحال علاقة عشق وتواصل مستمر تحتاج لكثير من الحب والوقت والجهد والمال، لكن أن تنتقل تربية الخيول العربية والمسابقات المرتبطة بها إلى تشيكيا، فهذا أمر لم يكن في البال أبداً.
ويبدو أن التشيكيين قرروا تغيير هذه المعادلة شيئاً فشيئاً، باعتبار أن المزارع التي باتت تستضيف بين ربوعها أفضل الجياد العربية آخذة بالازدياد شيئاً فشيئاً، وهو ما دعا خلال العام 1993 إلى تأسيس تجمّع لمربّي وأصحاب الخيول العربية الأصيلة في تشيكيا، وإلى تنظيم المسابقات لاختيار الخيول الأفضل على الصعيد الوطني.
ومؤخراً جرت في مدينة ليبرتس الواقعة شمال البلاد البطولة الوطنية السادسة للخيول العربية الأصيلة، حيث تم في أجواء رائعة اختيار الأفضل من الخيول الموجودة في المزارع التشيكية، وترافق ذلك مع بعض الفقرات الفنية الأخرى التي عكست روح الأصالة العربية إن كان في مجال الموسيقى والرقص الشرقي أو في مجال الصيد بواسطة الطيور الجارحة.
ولكي يكون الحدث استثنائياً بكل معنى الكلمة فقد قرر المنظمون هذا العام اختيار لجنة حكم مميّزة تألّقت فيها كما العادة الأميرة الأردنية عالية الحسين ، ورافقتها السيدتان كلاوديا داريوس من ألمانيا وآنا ستويانوفسكا من بولندا، اللواتي كنّ يقدّمن ملاحظاتهن ويضعن نقاطهن على الخيول العديدة التي تمايلت أمامهن.
وحسب ما أفادت اللجنة المنظمة فإن النقاط كانت تمنح وفق النوع، الجسد، الأقدام والحركة، كما تم تقسيم الخيول وفق أعمارها وأجناسها، وتم في نهاية المطاف إعلان الفائزين في المسابقة الشاملة كأبطال لتشيكيا للعام 2007.
الحدث تميّز بحضور شعبي واسع أثار الدهشة والاستغراب، إلى درجة أن الجمهور أصر على حضور الفعالية من الصباح حتى المساء، وذلك برغم الشمس الحارقة التي بدت في ذاك اليوم وكأنها تضفي أجواء حقيقية على المشهد العربي الشامل في مدينة ليبرتس.
لقد عكس ذلك اهتماماً بارزاً وربما توقاً للتعرف أكثر على التقاليد العربية الجميلة التي أصبحت للأسف غائبة بقوة عن الرأي العام الأوروبي، وهذا ما توافقنا عليه أيضاً خلال تبادل أطراف الحديث مع سفير دولة الكويت في براغ عبد العزيز الدعيج الذي كان يتابع الحدث بشوق واهتمام كبيرين، باعتبار أن «فعاليات مثل هذه هي ضرورية لتعريف الأوروبيين على جوانب هامة من حضارتنا العربية الراقية» حسب رأيه.
ولعلّ أفضل ما يمكن أن نختتم به هذا السرد هو ما ذكره لنا أحد التجار الألمانيين المقيمين في تشيكيا والذي فازت خيوله بسبع من الجوائز التي تم توزيعها خلال المهرجان. فقد رفض هذا التاجر رفضاً قاطعاً فكرة التجارة بالخيول العربية باعتبار أن «الجمال ليس سلعة تباع وتشترى». وحسب رأيه، فإن المشاركة في مسابقات مثل هذه يجب أن تنبع بالضرورة من الإيمان بفكرة نقل هذا الجمال إلى كل من يرغب بالإطلاع عليه لا أكثر ولا أقل، وهذا ما يؤمن به هذا الرجل الألماني العاشق للجمال، وما يؤمن به جميع محبي الخيول العربية في تشيكيا.
براغ ـ حسن عز الدين
