كتب الكثير من غير العرب وألفوا كتباً في غاية الأهمية في أنساب القبائل العربية، وأجادوا في ذلك وأبدعوا وأثروا هذا العلم، ومنهم الإمام ابن حزم رحمه الله، ولا أظن اني أذيع سرا لو قلت ان احد أشهر تلك الشخصيات غير عربية الأصل الفت أحد أشهر وأوثق المصادر في موضوع الأنساب، كذلك فهو صاحب كتاب طوق الحمامة.
وقد اشتهر كتابه هذا وهو في الأدب ولكن كتابه في الأنساب وعنوانه ( جمهرة انساب العرب ) يعد فيه حجة، وتذكر كتب التراجم الكثير من كتبه فقد كان شخصية موسوعية عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، ثقة، وكان متفننا في علوم جمة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت له ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الممالك، متواضعا، ذا فضائل جمة وتصانيف كثيرة.
يصفه ابن بشكوال بأنه كان اجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار، وكان أديبا شاعرا طبيبا له في الطب رسائل، وكتب في الأدب، اخبر ولده أبورافع الفضل انه اجتمع عنده بخط أبيه من تأليفه نحو أربعمئة مجلد.
تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. أما نسبه فهو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن سفيان بن يزيد وكنيته أبومحمد، ولد ابن حزم في آخر يوم من رمضان عام 384 ه، بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وكان ذلك بقرطبة بالجانب الشرقي، ويزيد جد ابن حزم الأعلى كان فارسيا، وهذا بإجماع كتب التراجم التي ترجمت سيرته.
حيث كان جده هذا مولى ليزيد بن أبي سفيان أخي معاوية، الذي ولاه أبوبكر الصديق إمارة الجيش الأول الذي ذهب لفتح الشام، وعلى هذا فهو قرشي بالولاء ورحل جده الأعلى مع البيت الأموي إلى الأندلس عندما رحلوا إليها، وأنشأوا ملكهم.
ويعد كتاب جمهرة انساب العرب لابن حزم من أوسع كتب النسب وأغناها وأدقها. فقد استفاد ابن حزم من جميع كتب الأنساب والتراجم والرجال واستخلص منها مادة كتابه هذا. فجاء كاملا شاملا، جمع بين دفتيه كل ما يحتاجه العالم والباحث في هذا المجال. كما أشار المؤلف إلى الأحداث التاريخية والقبلية والأدبية بدقة والتزام.
وذكر المدن والمساكن والأودية التي تجمهرت فيها القبائل العربية ليس في نطاق شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق واليمن فقط، بل تعداها إلى بلاد الأندلس، فتابع أنساب القبائل العربية التي استوطنت شبه الجزيرة الايبيرية، والقبائل التي استوطنت فارس وخراسان وطبرستان ومكران وأرمينية وأذربيجان والمور (المغرب العربي).
وبلاد ما وراء النهر وبلاد الروم (حدود تركية اليوم) وجزر البحر المتوسط، وحفظ أسماء تلك البلدان، وقدم بعض الملاحظات التي تشير إلى سبب تسمية هذه البلدان فهو مثلا عندما يذكر ولد مهرة بن حيدان بن عمرو بن قضاعة يذكر بان بلادهم تقع في ناحية الشحر من اليمن، ببلاد العنبر، على ساحل البحر.
ويذكر من ولد نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحافي بن قضاعة وهم مالك وصباح وحزيمة وزيد ومعاوية وكعب وأبوسودة، كلهم بطون في اليمن، يسكنون بقرب نجران، أما عامر وعمرو وحنظلة حاكم العرب والطول ومرة وخزيمة وابان، وهؤلاء كلهم سكنوا الشام، ومنهم بالأندلس برية، وهكذا مع معظم القبائل التي وردت في كتابه القيم هذا.
كما تكلم ابن حزم عن المفاخرة بين عدنان وقحطان، وهما الأصلان الأساسيان لقبائل العرب، بالإضافة إلى قضاعة. فمرة ينسب إلى عدنان، وأخرى ينسب إلى قحطان أو قضاعة، فحصر انساب العرب في هؤلاء الثلاثة.
