الطريق إلى أفراح المصريين يبدأ من هذا الدرب الذي أسموه «درب البرابرة».. والذي كان يوما من الأيام سوقاً للخدم، فهذا الشارع الذي اختار لنفسه مكاناً في قلب أسعد المناسبات يؤمه يومياً الآلاف لشراء كل ما يحتاجونه لمناسباتهم السعيدة.

فوسط زحام العتبة الخضراء وضجيج الموسكي والحركة الدائبة في هذا المكان تستطيع أن تلمح في الأفق لآلئ الكريستال تتراقص على بريق الفضة والذهب لأنواع وأحجام وأشكال لا حصر لها من النجف، والشارع والحارات المجاورة مملوءة بالزينات والشموع والحلوى والعرائس والدمى وباقات الورود والإكسسوارات.

إنه بحق سوق صناعة العروس وسوق للفرح لا يفرق بين غني وفقير، الكل يجد متعته وطلبه فيه، حيث يقول الحاج محمد سالم صابر وهو واحد من أشهر المتخصصين في مستلزمات العروس بالقاهرة: «المنطقة اشتهرت وتخصصت في هذا المجال ويرجع نجاح هذه المهنة في هذا الدرب على وجه الخصوص لحب العاملين لهذه المهنة وإتقانهم لها.

فهم يحرصون جميعاً علي التجديد والإتقان والتطور الدائم مع خطوط الموضة، فقد تخصص هذا المكان بتزيين العروس وصناعة فستانها وطرحتها وتاجها وحتى قفازها، كما اشتهر بصناعة علب الحلوى وبطاقات الدعوة والشمع، وكل شيء يخص الأفراح، فمثلما عرف التاريخ زينة المرأة، عرف أيضاً الرجل الذي يصنع لنا أدوات زينتها وخاصة ليلة عرسها».

تاج العروس

ويضيف صابر: «أن حلم فستان الزفاف لا يكتمل إلا بالتاج الذي يزين رأس كل عروس وهو أهم شيء بالنسبة لزينتها بعد فستان الزفاف، فهو الذي يجعلها كأنها ملكة حقيقية متوجة في ذلك اليوم، ولذلك يتم شراؤه بحرص شديد حتى يلائم شكل وجهها وتسريحة شعرها وأيضاً فستانها، وصناعة التاج ليست بالعمل السهل.

فهو يحتاج لموهبة خاصة وذوق رفيع جداً وإحساس عال بالجمال، أيضاً يجب علي صانعه أن يطلع إلى جانب ذلك كله على أحدث كتالوجات التيجان، ومتابعة أحدث خطوط الموضة وتطورها، كما يجب التنوع في الصناعة والخامات حتى تتناسب مع جميع المستويات الاجتماعية والقدرة المالية لكل عروس»، ويوضح: «يصنع التاج من خامات كثيرة، فهناك التاج الذي يصنع من الماس أو اللؤلؤ.

وهناك المصنوع من الورد المجفف، وإذا تحدثنا عن التاج المصنوع من الماس فهناك نوعان، الأول وهو النوع «المكلف» لأن فصوصه تحتوي علي درجة عالية جداً من النقاء، ويكون إما سوريا أو استراس نمساويا، وتكلفته قد تبدأ من 250 جنيهاً وتصل إلى 5 آلاف جنيه، ذلك حسب رغبة كل عروس، أما النوع الثاني ويكون أقل تكلفة وهو الصيني أو التايواني، وتكون درجة نقائه أقل من النوع الأول، ويتراوح سعره بين 90 جنيها و200 جنيه فقط.

أما التاج المصنوع من اللؤلؤ فيعطي انطباعاً خاطئاً برخص ثمنه، وهذا غير حقيقي لأن اللؤلؤ يتميز بقلة تكلفته خاصة، فهو متوسط الثمن ولكن سعر صناعته باهظ، ولذلك فهو يتساوي في النهاية مع التاج المصنوع من الماس في الثمن. أما بالنسبة للتاج المصنوع من الورود فهو ليس منتشرا بشكل واسع.

بل إنه ينتشر بين العرائس في بعض المواسم، وأحياناً ما يكون وجوده مواكباً لتقاليع الموضة، ولذلك ينتشر في فترة من الفترات ثم يختفي إلى أن تعود موضته، وأغلب العرائس يستعملون الآن ما يسمى «بالفراشين»، وهو بديل التاج ويتكون من قطع من الماس أو اللؤلؤ أو الورد الملون منثورة ومتفرقة علي الشعر كله، وأحدث ثلاثة ألوان «للفراشين المصنوعة من الورد» هو اللون الأبيض والفضي والذهبي».

طرحة من التل

ويشرح عم صابر قائلاً: «من مكملات أناقة العروس أيضاً طرحة التل، وهناك نوعان من التل، التل المصري وسعر المتر منه 4 جنيهات، والتل الفرنسي الناعم وسعر المتر منه حوالي 7 جنيهات، أما بالنسبة لموضة هذه السنة في الطُرح، فهي الطرحة الصغيرة والقصيرة وهي تلك التي تبدأ من «دورين إلى أربعة أدوار»، أيضاً شكل الطرحة لابد وأن ينسجم مع موديل الفستان.

فلكل فستان طرحة تلائمه وتناسب شكله وذوقه، والطرح أشكال وأنواع كثيرة، فهناك (الطرحة العربي) وهي المصنوعة بالسيرما العربي اليدوي، ولذلك فهي باهظة الثمن نتيجة التطريز اليدوي فيها، وهذه الطرحة أدوارها تكون حسب رغبة العروس، أيضاً هناك (الطرحة الأسباني) المطرزة بالدانتيل.

وتتكون من دور واحد حول العروسة، وتسمى «الطرحة الأسبانيولي»، أيضاً هناك (الطرحة الفرنسية) وهي طرحة صغيرة وخفيفة وأنيقة ورقيقة وتطريزها بسيط ورقيق جداً، وهناك الطرحة التي تصنع ب«الشبيكة» بدون تل، وسعرها مرتفع جداً ولا تتوفر بسهولة حاليا».

أما بالنسبة لأسعار الطرح فلا يوجد سعر محدد ولكن الأسعار العادية تتراوح بين 40 جنيهاً و250 جنيهاً، وهناك قاعدة في عالم الطرح مفادها أن ليس كل ما يدهش يمكن أن يلبس، حيث تجب مراعاة شكل الجسم أولاً، فالعروس السمينة علي سبيل المثال لا تضع الطرحة العريضة، حتى لا تبرز من حجمها».

الورد جميل

أما بالنسبة لباقات الورد التي تحملها العرائس في أيديها، وهي ضرورية جداً في ليلة العرس، فيوجد أشكال متعددة منها سواء في الشكل أو الخامة، وهناك «البوكيه المستدير» وهو أحجام مختلفة مع استدارته وهناك أيضاً المستطيل أو الطويل، و«بوكيهات» الورد تصنع من خامات مختلفة مثل الورد الصناعي أو الورد المجفف مع اللؤلؤ والساتان، وأحياناً تكون من ورق الشجر الأخضر.

أو من الماس وما يسمى ب«خرج النجف»، وكثيراً ما يصنع «بوكيه» الورد من أشياء تنسجم مع شكل فستان العروس. بالنسبة لألوان الباقات فإنها ترتبط بلون الشموع في الزفة، ولون فساتين الفتيات اللواتي يسرن أمام العروس بالشموع، وأسعارها تبدأ من 25 جنيهاً وتصل إلى 300 جنيه حسب نوعها، أما بالنسبة لموضة هذه السنة في بافات ورد العرائس فهي استبدال «بوكيه الورد» بما يسمي «بالصولجان الماسي» الذي تمسكه العروس في يديها بدلاً من الورد المعهودة.

الشموع البيضاء

أما بالنسبة للشموع فهي أسهل الأمور في الأفراح ولكنها من أهمها، فشكل الشمعة ودقة صنعها من شأنهما أن يضيفا فخامة على الفرح بدون أن يشعر أحد بذلك، وشموع الأفراح يجب أن تكون مصنوعة من مواد خاماتها ممتازة حتى تكون الشمعة بيضاء تماماً، ولا يخرج منها دخان فتسبب إحراجاً وارتباكاً في الزفة مثلاً، أيضاً الشمعة يجب أن تتميز بالجمال في شكلها.

ولذلك فالشموع تكون دائماً مطرزة بالورد أو باللؤلؤ أو بالماس أو بالتل حسب رغبة أصحاب الدعوة، أو أن تكون الشمعة مصنوعة من خامات متداخلة مثل الورد مع التل واللؤلؤ مع التل أو غير ذلك، وغالباً ما يكون لون الشمعة من نفس لون فساتين الفتيات اللواتي يحملن الشموع ويسرن في الفرح، واللون الأبيض في الشمع يأتي في الأولوية، بعده الذهبي والفضي والروز والسومون.

البونبونييرة

«البونبونييرة» لايمكن إغفالها، وهي تلك العلبة التي توضع بها «حلويات الفرح» التي توزع علي المدعوين، وهذه العلب تصنع من خامات مختلفة فهناك «البونبونييرة» أو العلبة المصنوعة من «الكريستال» الإيطالي والفرنسي، وكانت هذه العلب الكريستالية تتميز بارتفاع أسعارها منذ 4 أو 5 سنوات.

ولكن بعد دخول السوق الصيني التايواني انخفض سعرها، وانخفضت جودة الخامة والذوق. هناك أيضاً العلب التي تصنع من الفخار والورد والبلاستيك، والعلب التي تصنع من الورد قد تكون مرتفعة الثمن لجودة صناعتها، كأن تكون مصنوعة من الورد المجفف مع التُل وألوانها حسب رغبة العروس، وثمنها يتراوح من جنيه واحد إلى 7 جنيهات للعلبة الفارغة، أما بالنسبة للعلب المصنوعة من البلاستيك.

فقد تكون باهظة الثمن أيضاً وذلك لجودة الصناعة، فقد تحتوي في داخلها لعبة من لعب الأطفال أو شكلا من الأشكال إلى جانب الحلوى مما قد يرفع سعرها، ولا سيما أن هناك علبا تصنع من البلاستيك والفخار معا. هناك أيضاً من يضع اللوز والبندق والفستق في هذه العلب بدلا من الشيكولاته والحلويات، وتكون هذه العلب مطلية بالذهب مع الفضة، ومنقوش عليها اسم العريس والعروسة معاً.

فهذه قد يصل سعر الواحدة منها إلى 30 أو 40 جنيهاً للعلبة الواحدة الفارغة. أما أغرب ما سمعناه من الحاج صابر فهو أن أجواء الفرح في المنطقة ساهمت في ازدياد نسبة زواج الفتيات العاملات في المحلات، «فالفرح يأتي بالفرح والعاملات يشجعن بعضهن على الزواج ليعيشن مشاعر الزبائن من العرائس والعرسان»، وهكذا يستمر إيقاع الحياة في «درب البرابرة» متناغماً في فرحة بين حيوية الحاضر ورصانة الماضي وأفراح المستقبل.

القاهرة ـ هشام نصر