للثروة والثراء حسابات أخرى عند هؤلاء الذين تخصصوا في حضور المزادات بحثا عن كل ما هو غال وثمين من التحف والمجوهرات والقطع والمشغولات، فنجدهم يحرصون على الجلوس في الصفوف الأمامية ينتظرون ذلك الخبير المثمن الذي يلمع بريق عينيه من وراء نظارته الأنيقة وتعلو وجهه ابتسامة عريضة إيذانا ببدء المزاد.

وللمزادات تاريخ طويل وأماكن مخصصة ومشهورة يعرفها المهتمون بها ويتابعون ما يعرض فيها باستمرار، ويعد الإيطاليون أول من أدخل نظام المزايدات إلى مصر منذ الثلاثينيات، حينما كانوا يبيعون مقتنياتهم الثمينة أمام المقاهي الشعبية في الحسين والعتبة والسيدة زينب، لذلك فإن غالبية المصطلحات المتداولة في المزادات المصرية هي إيطالية، خاصة كلمة «روبابيكيا» التي تعني الأشياء القديمة، وقد وصل عدد الصالات إلى أكثر من 300 صالة فاخرة تضم مجموعات منتقاة من التابلوهات والكريستالات والفازات والنجف والسجاد.

وقبل عام 1959 لم تكن هناك شروط أو مواصفات للخبير المثمن، ثم جاء القانون رقم 100 لسنة 1959 لينظم المهنة وليضع شروطا ومواصفات للخبير المثمن أهمها أن يظل الخبير تحت التمرين لمدة 3 سنوات، وأن يشترك في عمل 31 مزاداً ليحصل على لقب خبير، ومن الشروط المهمة أيضاً أن يكون مصري الجنسية وحاصلا على شهادة جامعية وألا يعمل في القطاع العام. يبدأ عمل المزادات بالإعلان في الصحف عن وجود صالة مزادات تستقبل البضائع، ويتم ذلك أيضاً من خلال اتصالات الخبير الشخصية وعلاقاته وسمعته، ثم يبدأ الخبير في تلقي هذه التحف ومعاينتها وتقييمها، معتمدا في ذلك على خبرته ومطالعته المستمرة للكتالوجات العالمية، وبعد اكتمال العدد الكافي من التحف والمقتنيات يتم تحديد موعد المزاد بعد إبلاغ وزارة التموين ودعوة مندوب من الوزارة ليحضر المزاد، وقبل يوم المزاد يتم تحديد عدة أيام للمعاينة، وكذلك تقييم مبدئي لكل تحفة بالاتفاق بين البائع وبين الخبير.

يقول محمد عبد الحميد أحد خبراء المزاد حول الطقوس التي تواكب عملية المزاد: «يجب أن يتم المزاد في جو شبه عائلي حتى تتسم عملية المنافسة بمرونة بعيداً عن العنف، ونتيجة الخبرة التي أتمتع بها أصبحت أفهم زبائني بالإشارة سواء بالعين أو بالرأس أو باليد، ومن خلال هذه الإشارة أستطيع تحديد قيمة المزايدة التي يقررها كل زبون بدون أن يتكلم، ومن المفردات المألوفة في المزادات أن الخبير يطلق إنذارين «أون فوا.. دو فوا».

ومعناها «أول مرة.. ثاني مرة» وإذا لم يزايد أحد فإنه يصيح قائلا «ألا تري» أي «بلا عودة أو تراجع»، وهنا يفوز الزبون الأخير بالقطعة ولا يصح أن يزايد أحد بعد ذلك لأنه لا عودة عن البيع بعد هذه الكلمة، كما أن القطعة المباعة لا ترد ولا تستبدل، لذلك ينبغي على المشتري أن يعرف كل شيء عن القطعة التي سيشتريها من الخبير خلال فترة المعاينة». أما عملية تذوق التحف والمقتنيات القديمة فتختلف من شعب إلى آخر.

كما يقول خبير التحف، «فالمصريون في مقدمة الشعوب التي تعشق التحف القديمة، لأنه شعب متذوق للقديم وتعد مصر رائدة الدول العربية في هذا المجال، ويليها لبنان وبعض دول الخليج كالسعودية والكويت، والشعب المصري يميل إلى الذوق الفرنسي والتحف الفرنسية كالآثار الفرنسية طراز لويس الخامس عشر «لوي كانز» ولويس السادس عشر «لوي سيز»، وأيضاً النجف الفرنسي والفازات الفرنسية القديمة، كما يفضل المصريون أيضاً بعض المشغولات الصينية «الشينواه» كالسجاد وأطقم الصالون، والتحف التي كلما زاد عمرها أصبحت أكثر قيمة، وهناك أيضاً تركة الملك فاروق التي تضم مجموعة ساعات نادرة ودبابيس ذهبية ونظارات فريدة ولوحات زيتية تلقى إعجاب كل من يراها».

ويشير شكري ميخائيل الخبير المثمن ومدير إحدى صالات المزادات، إلى أن «قانون المزادات في مصر لم يتغير منذ 40 عاماً على الرغم من أن المزادات تطورت، وحتى الزبائن تغيروا بطبيعتهم، فبعد أن كانت المزادات تقتصر على الطبقة الارستقراطية أصبح لها اليوم زبائن من الطبقة المتوسطة، التي يقبل أصحابها على شراء أنواع محددة من البضائع»، ويضيف ميخائيل.

قائلا: «ان معظم مرتادي صالات المزادات من النساء خاصة المزادات التي تضم تحفا ونجفا إلى جانب المجوهرات، بالطبع لما لها من تأثير خاص على النساء، وغالباً ما تكون المنافسة بين النساء على شراء البضائع أكثر ضراوة من الرجال». غش وخداع ويلفت ماهر صبحي صاحب إحدى صالات العرض، إلى بعض «وسائل الغش والخداع التي بدأت تستخدم في المزادات»، قائلا: «هناك بعض التجار الذين دخلوا عالم المزادات لمجرد تحقيق الكسب السريع بدون الاهتمام بأخلاقيات المهنة.

ولذلك يقومون باستخدام بعض الحيل الخداعية منها دهن التحف الأثرية بمادة تسمي «الباتينة» ثم تلف في الشاش لمدة 3 أيام بعدها ترش بالتراب لتبدو التحف الحديثة، وكأنها تنتمي إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر، وتظهر أدق تفاصيل التمثال مما يعطيه قيمة أكثر من قيمته الحقيقية، وكذلك تغيير الحلي النحاسية واستعمال التوتيا بدلا منها».

القاهرة ـ حازم خالد: