ليس شائعاً أن تقود سيدة سيارة أجرة في عالمنا العربي، ولا حتى في لبنان، الذي يعد أكثر بلدانه انفتاحاً. يحدث أن يشاهد القاطن في بيروت، أو العابر فيها، سيدة تقود سيارة عليها علامة «تاكسي»، ولكنه يظل أمراً نادراً، وأولئك النسوة قد لا يتجاوز عددهن عدد أصابع اليد الواحدة.

فمما لا شك فيه، أن هذه الوظيفة، إذا خاضت غمارها امرأة، فلن يكون ذلك إلا لدواعي الحاجات التي وصلت إلى أقصى مراتب الضرورة، ولعل هذه الضرورة تتمثل بتلك التي بلغتها زينة منذر، أو «أم أحمد»، التي تعمل كسائقة سيارة أجرة منذ أكثر من سنتين، من أجل إعالة عائلتها المكونة من خمس بنات وصبي واحد.

اضطرت السيدة المحجبة البالغة من العمر 52 عاماً للعمل كسائقة «تاكسي»، فوضع العائلة الصعب، ومرض زوجها، الذي يعاني من تشمع في الكبد ومن مرض السكري، عطّل قدرته على إعالة أسرته، لا بل أصبح علاجه يشكل أزمة لأنه مكلف، إذ أنه يدخل إلى مستشفى بين مرتين وثلاث مرات في الشهر، وتصل تكلفة علاجه وثمن الأدوية إلى ما بين 600 إلى 700 دولار أميركي شهرياً.

زوج «أم أحمد» كان يعمل سائق سيارة أجرة بدوره، بعدما جار عليهم الزمن و«أحد أولاد الحرام». فقبلها، كانت أوضاع العائلة «مرتاحة جداً»، إذا كانوا يديرون تجارة في مخامر الموز، وكانوا يصدرونه إلى العراق عن طريق تاجر كان يشتري منهم إنتاجهم، وكان يدفع لهم بشيكات مصرفية، اكتشفوا متأخرين أنها كانت بلا رصيد، بعدما وصلت قيمة الكميات التي سحبها منهم إلى ما يزيد على 150 ألف دولار أميركي.

رفع الزوج دعوى في المحاكم، ولكن القضية طالت ولم يحصلوا على حقهم، فرفع تجار من الجنوب، حيث كانوا يشترون الموز منهم من أجل تخميره وتصديره، دعاوى، جاءت، بطبيعة الحال، لصالح التجار، فوضعوا أيديهم، بأمر قضائي، على أملاك العائلة، وبينها البيت الذي كان يأويهم، وكان يقع في منطقة جبلية مطلة على بيروت، وتبلغ قيمته نحو 125 ألف دولار فيما قيمة الأثاث نحو 25 ألف دولار، حيث تقول «أم أحمد»: «أوضاعنا كانت ميسورة لدرجة أنني استوردت رخام الشقة من إيطاليا».

هذه الأزمة تسببت بانتكاسة لزوجها، الذي بدأت صحته بالتراجع، واضطر للعمل كسائق أجرة، إلى أن عجز عن مواصلة العمل. ومع ازدياد مصاريف العائلة، أُجبروا على إخراج أولادهم من المدارس، لعدم قدرتهم على تغطية تكاليف تعليمهم، فما يأتيهم من العمل على السيارة، لا يكاد يكفي شراء حاجيات البيت من طعام وشراب، وأدوية الأب.

وعن كيفية حصولها على سيارة الأجرة الجديدة، شرحت «أم أحمد»، أنه قبل أن يتدهور الوضع العائلي المالي كان لديها سيارة حديثة، وعندما ساءت الأوضاع، ذهبت إلى إحدى وكالات السيارات واستبدلتها بهذه السيارة كونها أنسب كسيارة أجرة، وهي تواصل تسديد ما تبقى من ثمنها بالتقسيط الذي يشكل عبئاَ مالياً إضافياً عليها.

وتؤكد زينة، أن العمل كسائقة سيارة أجرة أمر بالغ الصعوبة عليها، كسيدة أولاً، وثانياً بعد نوعية الحياة المترفة التي كانت تحياها. وتوضح أن أكثر ما تقاسيه هو على مستوى كرامتها، مشيرة إلى أن بعض الزبائن لا يشعرون بالآخرين، فما أن يستقلون السيارة حتى يأخذون بالسخرية منها وتوجيه كلام مسيء إليها، علماً أن آخرين كثيرين يعاملونها باحترام وأدب.

وعن تجربة أول يوم عمل على «التاكسي»، تقول «أم أحمد» ان دموعها كانت تنهمر بغزارة من عينيها، وتضيف أنها لم تكن في وارد العمل بهذه الوظيفة، لكن الذي حدث يومها أنها كانت مع زوجها في المستشفى حيث كان يعالج، و«لم يكن في البيت حتى الخبز، فاتصل أولادي، وقالوا لي: ماما ليس لدينا شيء لنأكله في البيت.. فما كان أمامي خيار سوى أن أركب بسيارة زوجي وأجول في الشوارع بحثاً عن ركاب» لكي لا تترك أولادها فريسة الجوع.

ومنذ ذلك الحين، لا تزال «أم أحمد» تعمل على هذا النحو، الذي تؤكد أنه لا يعود عليها إلا بدفع أقساط السيارة وأجرة البيت - الواقع في أحدى ضواحي بيوت الشرقية - وثمن الطعام، مضيفة: «ولا تؤاخذني إذا قلت إنه طعام، الحمد لله عليه، ولكنه ليس ما كنا نتناوله قبل أن تسوء أحوالنا، عندما كان مصروفي أنا وحدي على يوميات البيت لا يقل عن 100 دولار».

تعمل «أم أحمد» ما بين خمس و12 ساعة يومياً، وذلك بحسب ما يتيح لها وضعها الصحي، لأنها تعاني بدورها من مشكلات في معدتها ومن تقرحات تتسبب لها النزيف أحياناً، ما يجبرها على الدخول إلى المستشفى ثلاث مرات في السنة على الأقل.

هذه المشكلات تعاني منها منذ سنوات، ولم تتمكن من علاجها أو تناول الأدوية المخصصة لها بشكل منتظم، بسبب عدم قدرتها على توفير ثمن هذه العلاجات وزيارة طبيب متخصص للقضاء على هذا المرض، الذي قالت إنه يزداد سوءاَ جراء التوتر اليومي الذي تعيش فيه.

وتأمل «أم أحمد» أن تتمكن، يوماً من استعادة حقوقها من الرجل الذي نصب عليهم «جني العمر»، رغم أنها تستبعد ذلك، أو أقله، تنتظر أن يكبر ابنها، البالغ من العمر 13 عاماً الآن، لكي يتمكن من أعالة العائلة بما يتيح لها أن ترتاح من رحلة العناء اليومية التي تقاسيها، في الوقت الذي أبلغهم طبيب الزوج أنه قد يفارق الحياة خلال سنة، لأن تشمع الكبد لديه وصل إلى نسبة 88 %.

بيروت ـ سهيل شهاب