مؤسسات ومراكز أبحاث ودراسات كثيرة في عالمنا العربي، هذه المراكز الذي بات الترهل يعد احد ابرز سماتها، والذي يبدو أن مسؤوليها ذوي الأمر والنهي فيها يباركون، مرغمين أحيانا، هذا الترهل والبطالة المقنعة التي تعاني منها مثل هذه المؤسسات الحكومية، ربما من باب المحاباة أو حسب فلسفة «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح».
تتسم هذه المراكز عادة بروتينيتها القاتلة لأي بادرة إبداع، فردية كانت أم جماعية، أو على اقل تقدير طاردة لأي فكرة تتنسم منها رائحة إبداع ما. وكأن الباحث المبدع مطلوب منه أن (يدوخ السبع دوخات) وراء مسؤوليها الزئبقيي المنطق، وأخيرا بالطبع لا يصل إلى نتيجة. هذه المؤسسات المتربصة مع الأسف بكل من تسول له نفسه العبث مع أنظمتها ولوائحها غير المكتوبة، وغير المعلنة، كأن يقدم مشروعا لبحث ما أو فكرة مفيدة يمكن أن تقدم خيراً لصالح البحث العلمي الإنساني.
ولكن ما الذي يجعل مشروعاً نهضوياً علمياً يتبناه فرد مع فريق عمل محدود العدد ناجحا بهذا الشكل، لأنه ببساطة يعرف ماذا يريد، وكيف يتحرك، ضمن خطة عمل واستراتيجية يشتغل عليها بدون تخبط، أو اجتهادات فادحة التكاليف والخسائر، متفوقا في عطائه وإنتاجه على مؤسسات بحثية حكومية ترصد لها الدولة ميزانيات ضخمة، تكفي لإعاشة أي دولة من دول العالم الثالث بقدها وقديدها، تصرف تلك الميزانيات أحيانا على أنشطة لا يحضرها احد، ومؤتمرات باذخة للدعاية فقط لا أكثر، ومطبوعات وإصدارات من السطحية والسذاجة.
بحيث لا يقرؤها احد، بل وغالبا ما تتسول تلك المؤسسات وبطريقة فجة ومحرجة، باتت معروفة، جمهور لا يرى في أنشطتها تلك سوى ما ستقدمه في «البوفيه المفتوح» الذي سيتخلل ذلك المؤتمر أو سيعقب تلك المحاضرة أو الندوة المملة من أطايب الإطباق والمازات!
نقولها بكل أمانة وتجرد، ومن واقع الحال، إن المسؤولين في الدولة لا يبخلون أبدا، لا بالجهد ولا بالمال، لدعم الرسالة الحضارية التي أنشئت من اجلها هذه المراكز، والتي تعتبر منارات في الدول المتقدمة، وبوصلة لاتجاهاتها الفكرية والعلمية والاقتصادية وحتى السياسية، وفي مثل هذه الدول كما يقول المثل لا يشك خيط بإبرة بدون الرجوع إلى هذه المراكز واستشراف المستقبل من خلال أبحاثها واستطلاعاتها.
وإلا فما فائدة تلك المبالغ الضخمة المرصودة لها، وبطبيعة الحال، بل وبالتأكيد أنها عير مرصودة من اجل البروباغاندا الفارغة والبوفيهات فقط. لماذا عندما تكون لدينا مؤسسات مدعومة حكوميا تصبح الأمور (سبهللة، سداح مداح)، ومجالا خصبا للإثراء غير المشروع على حساب باحثين جادين صدقوا بسذاجة أن هذه المراكز أنشئت من اجل خدمتهم، وتسهيل أمور البحث العلمي لهم حسب ما تعلنه وتردده دائما وفي كل مناسبة إدارات هذه المراكز وما تدونه في كتالوجاتها التعريفية.
إن مراكز البحوث والدراسات في دولة الإمارات بحاجة ماسة لوقفة تقييم جديدة، خاصة المدعومة منها، وأملنا كبير اليوم بوجود هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كمؤسسة يمكن أن يستظل بظلها معظم الباحثين الجادين المهيضي الجناح، خاصة المهتمين منهم بالتراث المحلي الشفاهي الذي عانى من النسيان، ولا نقول الإهمال طوال عقود، على أمل أن يصلح الحال في مراكز (السبهللة)، فالمسؤول الذي يدعم أنشطتها وأهدافها المعلنة، يريد أيضاً أن يرى بلا شك إنتاجا يعزز دورها أولا، ويرفع مكانتها، ويحقق بالتالي الأهداف التي أنشئت من أجلها وتمتعت بموجبه بهذا الدعم أولا وأخيرا.
