من البديهي أن يبدأ الحديث مع غرايس الشامي حول فن التايكواندو بالسؤال حول معنى الكلمة وأصلها، فيأتي الجواب مختصرا: هو فن كوري الأصل قديم جدا، وتعني قبضة اليد ورجلا وفنا.
تعيش غرايس اللبنانية الأصل، مع أسرتها المكونة من زوجها الكندي وولديها اريك ومارك في الإمارات منذ سنوات قليلة، جهدت خلالها لنقل معرفتها بالتايكواندو إلى محيطها الاجتماعي باعتباره فنا رياضيا يهذب النفس وينقي الذهن إلى جانب فوائده المتعلقة باللياقة البدنية.
تروي غرايس كيف تعلمت وأولادها فن التايكواندو، تقول: «انتقلنا للعيش في الولايات المتحدة الأميركية حيث التحقت بالجامعة لتحضير رسالة الدكتوراه في طرق التدريس والتفكير النقدي، وقررت أن أملأ أوقات الفراغ لولدي بشيء مفيد يقوي شخصيتيهما لاسيما أنهما من النوع الخجول جدا، وارتأينا أن نعلمهما التايكواندو».
تضيف: «اصطحبت الولدين إلى المركز استقبلنا المعلم «ماستر كيم» ودعاني لمشاركة الأولاد الدروس، لكنني تمنعت بحجة أن وقتي لا يسمح لذلك. أصر على البقاء والمراقبة. أذهلتني حركات اليدين والرجلين التي تتطلب الكثير من التركيز لتتناسق مع حركة العينين وبالتالي الحواس الخمس. وما هي إلا أيام حتى وجدت نفسي تلميذة تايكواندو مثل ولدي تماما».
راقبت غرايس حال ولديها عن كثب فلاحظت تبدلا كبيرا خلال ستة أشهر فقط، تقول: «أصبح ابني مارك الذي يتميز بحركته المستديمة أكثر تركيزا. أما أريك فزادت ثقته بنفسه بشكل لافت، وانعكس ذلك على أدائهما في البيت والمدرسة، فتحسنت نتائجهما الدراسية وطريقة تعاملهما معنا كأهل ومع أصدقائهما، واستمر التدريب سنوات مع «ماستر كيم» حتى حصلنا على أحزمة سوداء(first den)، شاركنا في الكثير من البطولات. وتعرفنا إلى عدد كبير من الأسر التي تعيش تجربتنا».
توضح غرايس التي التقيناها بعد يومين من إنهائها دورة تايكواندو نظمتها في المرابع العربية حيث تقيم، «إن التايكواندو ليست رياضة تعارك وتقاتل إنما هي فن قتالي للدفاع عن النفس يرتكز على مجموعة من القيم التي تجعل متقنها إنسانا ذا سلوك متميز، باختصار هي أسلوب حياة».
حفزتها تجربتها إلى إجراء دراسة أكاديمية نشرت في «سبورتس جورنال» بعنوان «انتقال التقنيات التعليمية: التركيز والثقة بالنفس والسيطرة على الذات من التايكواندو إلى داخل الصفوف الدراسية العادية»، وتوصلت فيها إلى نتائج مذهلة. فقد بينت من خلال إحصاءات ومواجهات ميدانية ومقارنة أكاديمية بين طرائق التعليم التقليدية وتلك المعتمدة في التايكواندو أن الهدف التربوي والوسائل المستخدمة واحدة.
وتقول غرايس «إن وسائل التعليم الحديثة تعتمد على وجود ذكاء فطري متعدد لدى كل إنسان يعتمد الحركة واللغة والبصر والسمع والاحتكاك بالطبيعة، ويتشابه هذا مع مبادئ التايكواندو التي تعتمد على تنشيط الحواس الخمس وخلق توازن فيما بينها، الأمر الذي ينعكس تنسيقا وتركيزا ينمو ويتطور مع التدريب».
وتشير إلى أن «الروتين المعتمد في تدريبات التايكواندو وفرض احترام المعلم وعدم مناقشته أو انتقاده المتلازم مع قليل من الكلام والكثير من الحركة والتفكير، كلها تؤدي إلى احترام الذات والآخرين، تهذيب الروح والإنصات إليها، وتخلق ولاء إلى الأمة التي ينتمي إليها المتدرب وطاعة الأهل، والثقة بالأصدقاء، والابتعاد عن المواجهات غير المنطقية أو التي يمكن تجنبها وعدم الفرار من أي مواجهة محتمة أو ضرورية».
وتلفت غرايس في هذا السياق إلى أن «هذه الانعكاسات يكررها المتدرب في ختام كل جلسة تدريب تترافق مع تكرار الحركات عينها للجسم، مع السلام الذي ينم عن احترام وجدية وقوة»، وتوضح أن التايكواندو يتسع لذوي الاحتياجات الخاصة «فهناك دائما بدائل لبعض الحركات التي لا يمكن لشخص يعاني من مشكلات في اليدين أو الساقين أو العمود الفقري أن يؤديها».
وعن تجربتها في دبي تقول غرايس إن «الناس هنا لا يعرفون الكثير عن التايكواندو، يعتبرونه فنا من فنون القتال، يتعاطون معه بطريقة غير جدية بينما هو فن له تقاليد عمرها مئات السنين وطقوس لها وقعها على حياة ممارسها»، وتستطرد: «لا علاقة للتايكواندو بالدين البوذي كما يعتقد الكثيرون».
وتبدأ غرايس في أوائل الشهر المقبل بتدريب مجموعة من التلاميذ ضمن مخيم صيفي تنظمه الجامعة الكندية في دبي، ويتضمن مجموعة من النشاطات الهادفة. وكانت قد دربت مجموعات عديدة في العين وأبوظبي في السنوات السابقة ضمت أطفالا وأساتذة جامعيين وطلابا.
إضاءة
تتحدث غرايس، عن تجربتها العملية في المجال التربوي في الدولة من دون أن تدخل في التفاصيل، وتعلن استنتاجا توصلت إليه هو أن «مشكلات القطاع التربوي لا يمكن حصرها في ضعف في المناهج المعتمدة أو طرائق التدريس، هناك مشاكل سلوكية موجودة عند معلمين وتلاميذ وأهل»، وتعتقد أن «التايكواندو قد تكون أحد الحلول التي يمكن اعتمادها لإحداث تغيير ايجابي».
دبي ـ كارول ياغي
