تزخر المكتبة الاستشراقية بالعديد من الدراسات والبحوث المتنوعة التي تمس تاريخنا وتراثنا وفولكلورنا، وجغرافية منطقة الجزيرة والخليج، وانثروبولوجيا الحياة القبلية واثنوغرافيا البيئة البدوية، وما إلى ذلك من مواضيع تعتبر من أهم ما كتب ودون عن المنطقة.
وقد ترجم كم بسيط جدا من تلك الدراسات والبحوث الميدانية الثرية بالمعلومات والإحصائيات وشجرات النسب، إلى آخر ما هنالك من المعطيات التي نحن بحاجة إليها لفهم تاريخنا، وإذا أردنا المكابرة وقلنا أن الأجنبي لا يعرف تاريخنا أكثر منا فنحن مخطئون بلا شك، ونبقى شئنا أم أبينا بحاجة ماسة إلى الاستعانة بما دونوه، و بحاجة إلى ثمرات تلك الجهود الحثيثة التي استغرق انجازها سنين طويلة من أعمار أولئك المستشرقين البحاثة.
وليس بمستغرب أن يستغرق انجاز كتاب «البدو» لأوبهايم مدة أربعين عاما بالتمام والكمال، وان يستغرق كتاب «عادات وتقاليد قبيلة الأرولة» للمستشرق موزل، ثماني سنوات أقامها بين ظهراني هذه القبيلة العربية التي ترجع إلى عنزة في خيمة، يتنقل معهم أينما حلوا وارتحلوا. ولو استعرضنا الأمثلة فهي كثيرة ومبهرة وجديرة بالإعجاب والتقدير، ليس لأننا لانستطيع أن نأتي بمثلها، بل لأننا، وكما اثبت علماؤنا ومفكرونا الأوائل، أهل لذلك.
مناسبة هذا الكلام انه وقع بين يدي مؤخرا كتاب يتحدث عن أحد الرحالة الانجليز المسلمين وهو الحاج عبد الله وليامسن، وهو من الذين عملوا في شركة النفط الانجليزية ـ الفارسية «الدارسي»، حيث كان قد عين سنة 1924م من قبل السير ارنولد ولسون.
وقد قام هذا الرحالة بزيارة المنطقة إبتداء بالكويت ثم البحرين وقطر وإمارات الساحل المهادن ابوظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة ثم عمان، والكتاب (أو بالأحرى الكتيب) الذي وقع بين يدي هو عبارة عن تقرير كتبه عن زيارته هذه، وفيه صورة للرسالة التي بعث بها إلى الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان في ذلك الوقت، يعرض فيها خدمات شركته للتنقيب عن النفط في الإمارة، وما إلى ذلك من المعلومات التي نراها جديرة بالترجمة.
ما أردت قوله إن بؤس الترجمة وركاكتها أفسدت علي متعة القراءة، مع أن اسم المترجم يسبقه اللقب العلمي «الدكتور»، إلا انه لم يستطع أن يترجم كلمة الدوحة، وهي عاصمة قطر المعروفة، فيقلبها ولأكثر من مرة إلى «ضحى»، ويترجم «كلباء» إلى «كلبة»، ويترجم «بركا» إلى «برقة»، وبوشر إلى «بوشير».. وهكذا.
السؤال الذي يطرح نفسه: على كثرة مؤسساتنا المعنية بالتاريخ والتراث ألا من جهة تتحمل مسؤولية البحث والتقصي عما كتب عن المنطقة وتختار له المترجمين الاكفاء الملمين على الأقل بمسميات الأمكنة والقبائل والشخصيات الشهيرة من حكام وشيوخ وأبناء المنطقة؟ انه مشروع حضاري هذا أوانه ولا يحتمل التأجيل.