الحكايات عن أيرلندا لا تنتهي، فهي تكمن في ثقافة شعبها، وعمق تاريخها، وغزارة مياهها، وكثافة أشجارها..في كل مكان قصدناه، نحن القادمين من الإمارات إليها في زيارة أولى، ثمة قصة لقلعة أو متحف أو منزل أو طريق، وحتى الخضرة الساحرة والمائدة اللذيذة والمشروبات المتنوعة لها أسرارها في نفوس أهل هذه الجزيرة المحاطة بالبحر الأيرلندي والمحيط الأطلسي.

ومدينة بلفاست في الشمال الأيرلندي إغراءاتها كثيرة.. مركب (نوماديك) الراسي في حوض شيربورغ للسفن محتضناً متحف «تايتانيك» والمدينة الجامعية العريقة، والكاتدرائية التي تعود لقرون عدة، وليس بعيداً عن هذه المعالم وغيرها الساحة في جنوب بلفاست التي غطت منازلها جداريات ملونة ترصد آراء وأفكار القوى السياسية التي ظلت تتصارع على مدى ثلاثة عقود. الناس في أيرلندا.. تلك الجزيرة التي شطرتها الصراعات القومية والدينية إلى قسمين، يتنشقون هذه الأيام هواء السلام.. بينما يبدو للعيان التعايش الطبيعي بين الناس في كلا الشطرين. كان على «كريس» دليلنا السياحي،أن يسهب في شرح المشهد الجديد، ونحن في طريقنا من العاصمة الأيرلندية دبلن إلى مدينة بلفاست، التي لا تزال خاضعة للإدارة السياسية البريطانية، بالرغم من اتفاق السلام التاريخي بين الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي(الشين فين) المكافح من أجل وحدة الجزيرة والحزب الوحدوي الديمقراطي الموالي للإنجليز.

أتأمل بلفاست عبر نافذة غرفتي في الطابق الحادي عشر من فندق «أوروبا»، تنتصب عند الأفق أمامي سلسلة جبلية مكسوة بالأخضر المصفى، بينما تنتشر على مساحات شاسعة المباني ذات الطابع الفيكتوري التي يطغى عليها اللونان القرميدي والأحمر.

استيقظنا رفاق الرحلة الساعة الثامنة صباحاً، استعداداً لما خططه لنا المنظمون.. كان ابراهيم منعم (مدير منطقة الخليج في طيران «آير لنغوس») وجاكلين كامبل (مديرة شركة «ترافل كولكشن» الممثلة لهيئة السياحة الأيرلندية في الخليج) يحرصان منذ وصولنا إلى مطار دبلن على مواكبة تفاصيل البرنامج المقرر، من موعد النهوض الصباحي، إلى خط تجوالنا بقيادة «كريس» الذي أثبت لنا أنه خزان من المعلومات، ومتذوق للموسيقى، التي كان يستلها من محفظته الجلدية الزرقاء العتيقة، ويقدمها إلينا وجبات تغذي الروح، بين محطات الكلام عن الأماكن التي تتوالى أمام أعيننا.

في العاشرة تماماً، كان الباص ينتظرنا في الخارج، أخبرنا «كريس» أننا سنزور الأحياء التي كانت معقلاً للجيش الجمهوري الأيرلندي في جنوب بلفاست.. كان كلام كريس مشوقاً، وعزز من رغبتنا بمعرفة المزيد.

وبعد جولة على معالم المدينة ومبانيها وجامعاتها، انطلق «الباص» في اتجاه جنوب المدينة، وكلما أوغلنا في تلك الأحياء، كلما قلت الحركة وازداد السكون، بينما توزعت الشعارات والرسومات السياسية على جدران المنازل والمقابرالتي تبدو مثل غابات لكثافة أشجارها.. حتى الأموات في تلك البلاد تظللهم الخضرة!

وحدها الشعارات تميز أحياء السكان الكاثوليك، عن تلك التي يقطنها «البروتستانت»، إذ أن هؤلاء، كما قال لنا «كريس»، خفت قليلاً تظاهراتهم المؤيدة للدولة العبرية ودعمهم لها بعد حرب يوليو الماضي على لبنان، وعدوانها المتواصل على الشعب الفلسطيني..

بينما كان الكاثوليك المؤيدون لتوحيد الجزيرة يقدمون أبناءهم طوال العقود الماضية في مواجهة الاحتلال البريطاني وأتباعه من الإيرلنديين، لذا لم يكن غريباً أن تنتشر رسومات وصور قادة الجيش الجمهوري الإيرلندي الذين سقطوا في الحرب، وتتوسطها الصورة الشهيرة للثائر الأرجنتيني الراحل تشي غيفارا، بينما حضرت القضايا العربية، فقرأنا شعارات الإدانة لإسرائيل والداعمة للمقاومة في لبنان وفلسطين، وبالقرب منها عبارات التنديد باحتلال العراق.

كانت الساحة الفسيحة في جنوب بلفاست،أشبه بورشة عمل، فقد قررت الإدارة المحلية في أيرلندا الشمالية تحويل المكان إلى متحف دائم، قريب من السجن الكبير الذي أنشأه البريطانيون للزج بالثوار الإيرلنديين والمتعاطفين معهم في زنازينه.

جدران المنازل في الأحياء المتباعدة سياسياً، والقريبة من بعضها جغرافياً تحولت إلى معرض دائم.. رسم الكاثوليك أبطالهم التاريخيين على أول جدار يقسم المدينة في العام 1969 وكتبوا عبارات الترحيب للقادمين إلى منطقتهم، ودونوا إلى جانب الجداريات الأفكار والأقوال التي كانوا يطلقونها في فترات الصراع الأهلي المديد. أما البروتستانت فقاموا بالأمر ذاته لاحقاً، وصمموا ملصقاتهم وكتبوا شعاراتهم السياسية.

ما شهدناه على الجدران تحول إلى معرض بعنوان «صور مضطربة» أطلقته مكتبة «لينين هول» التاريخية التي تأسست عام 1788، وجال على العديد من البلدان انطلاقاً من دبلن، وشملت جولته أسبانيا والولايات المتحدة وجنوب أفريقيا وفرنسا والمملكة المتحدة ومدناً فلسطينية.

وتكشف الملصقات المعروضة المهارات الغرافيكية لمصممي «بوستر» أولستر (التعبير الذي يدل على مناطق الشمال الأيرلندي). وهذا المعرض يعتبر أكبر عمل فني من مشروع ضخم يحمل العنوان السالف ذكره، ويضم كتاباً من 124 صفحة، فيها140 ملصقاً وسرد تفصيلي عن مضامينها ودلالاتها التاريخية.

تأملنا طويلاً الرسومات على الجدران، وتجولنا في الساحة التي تجمعت فيها بقايا أثاث البيوت المهجورة.. كانت هناك جرافة تهييء لأمر ما يجري التخطيط له، وقريباً منها أناس يتابعون ما يجري عن كثب. إنهم الأيرلنديون.. في هذه الأيام التي ينعمون فيها بأجواء التوافق والسلام، لا ينسون أن يجعلوا من ذكريات تاريخهم المضطرب، محطة للأمل ولو كان ذلك عبر أعمال فنية تنضح بالألم.

بلفاست ـ إسماعيل حيدر