إذا أردت أن تتعرف للحظات معدودة إلى حياة المكفوفين وأن تحتسي فنجانا من القهوة في الظلام الحالك، ما عليك إلا التوجه إلى براغ بالقرب من مسرح ستافوفسكي الشهير الذي عزف فيه موزارت ذات يوم، وعلى بعد خطوات معدودة من المسرح تم مؤخرا تشييد «مقهى الظلام» من قبل منظمة ترعى شؤون المكفوفين وتنشر الوعي حولهم بين أوساط المواطنين الذين أنعم الله عليهم بنعمة البصر.

وتحاول من خلال هذا النشاط الإشارة إلى كثير من الأمور المرتبطة بحياة المكفوفين وكيفية التعاون معهم من أجل تسهيل حياتهم في هذه الدنيا. الظلام الدامس يحل في المكان ويعتقد المرء للوهلة الأولى بأنه قد فقد بصره فعلا، فيخاف في البداية لما تملّكه من شعور بالرهبة من هذا الجو غير المألوف، لكن يستجمع المرء شجاعته للبقاء بضع دقائق أخرى يحتسي خلالها فنجانا من القهوة أو الشاي أو أي شيء آخر، فالهدف بطبيعة الحال هو التعرّف على لحظات من الحياة التي يعيشها المكفوفون وإن كان ذلك بطريقة غير مألوفة.

لقد شيّد المقهى بطريقة تمنع تسرب النور إليه لكي يكون الظلام فيه فعليا، وتم توظيف مكفوفين لتقديم الخدمة للزبائن الذين قرروا خوض هذه التجربة. ويتبين من اللحظات القليلة التي يقضيها المرء هناك أنه قد أصبح مشلولا تماما لا يعرف كيف يتحرك، في حين يبدو المكفوفون أسياد المكان دون منازع، فهم من يرشدون الزبائن إلى الداخل، وهم من يقدمون له القهوة، وهم من يمسكون بأيدي من يرغب بالخروج بعد أن يدفع ما عليه من حساب.

هنا بالتحديد تتبيّن الحكمة التي يتوجب على بني البشر «الطبيعيين» أن يتعرفوا عليها، وهو ما تحاول المنظمة المسؤولة عن المكان أن تنقلها إليهم من خلال فكرة بسيطة جدا ينحصر معناها بضرورة مساعدة بني البشر لبعضهم البعض في كافة الظروف والأماكن، لأن الجميع دون استثناء بحاجة للمساعدة بشكل أو بآخر.

لعلّ ما يختصر هذه التجربة هو ما أسرّت لنا به «ماركيتا» بعد خروجها من المقهى، فأفادت بأن هذه التجربة قد أثرت فيها بشكل كبير وتوصلت لقناعة بأنه «لا فرق بين إنسان وآخر إلا بما يتمتّع به من صفات أخلاقية وإيمان». أما نحن فقد اكتشفنا في هذا الظلام الدامس أشياء كثيرة لم نقدر على «رؤيتها» في وضح النهار، فتمنينا من الله العلي القدير أن يزيح عن أعيننا هذه الغشاوة باستمرار.

براغ ـ حسن عزالدين