تحتاج المرأة السورية لدعم قانوني ورسمي وشعبي كبير كي تنهض من واقعها المرير، غير أنّ أكثر ما تحتاجه هو العمل الجاد والتخطيط الجماعي الصحيح، والذي يمكن أن يضاعف من قدرتها على مناهضة التمييز والاضطهاد المعمول به ضدها، إلا أن ذلك لا يمكن أن يحصل إلاّ من خلال بناء حركة نسوية ذات قدرة على التأثير وإحداث التغيير المطلوب، بما يمكّنها من نيل حقوقها كافة بدون نقصان تمثلا بالرجل الذي تشاركه التضحية والسعي لتحسين فرص الأسرة في حياة كريمة.

وتعتبر المشكلات المجتمعية أبرز وأعقد التحديات التي تواجه المرأة السورية من بين العديد من الظواهر السلبية التي تؤثر في حياتها بشكل بارز، وهذا ما تبين من خلال استطلاع قمنا به في الشارع الدمشقي أظهر بأنّ المرأة السورية تعتبر أكثر فئات المجتمع تضرراً نتيجة التغيرات الاقتصادية الطارئة، والتعصب المجتمعي لبعض القيم السائدة، وكذلك الثغرات القانونية التي تسمح بممارسة أشكال عديدة من الإجحاف ضدها، خاصة وأنّ التعديلات المطلوبة لتحسين وضعها القانوني لا تجد الدعم البرلماني والشعبي الكفيل بتحقيقها. وللاطلاع على واقع المرأة السورية بكامل تفاصيله وعلى القوانين الخاصة بها ومدى حاجتها للتعديل أو للتغيير، نقدم الآراء التي طرحتها عينة عشوائية من النساء اللائي أجمعن على أنّ أبرز المشكلات التي يعانين منها هي البطالة والعنوسة وتدني الأجور، إضافة للقهر والرقابة المجتمعية الصارمة:

* هلا إبراهيم (26 سنة) موظفة في مطار الأسد الدولي: «العنوسة هي أبرز المشكلات التي تعانيها المرأة السورية، وتزداد نسبتها بين فئة حاملات الشهادة الجامعية ممن يجدن صعوبة في إيجاد فرصة زواج مناسبة في ظلّ إقبال الشباب على الفتيات الأصغر سنا، ويزيد من صعوبة هذه الظاهرة الخلل الديمغرافي الذي يتمثل بزيادة ملحوظة في عدد الإناث لدينا عن الذكور. وعامل آخر يسهم في تنامي الظاهرة هو تدني الأجور الذي يقف حائلا دون قدرة الشباب على التكفل بنفقات الزواج. القوانين الخاصة بالمرأة والمعمول بها في المحاكم السورية لا أجدها بحاجة للتعديل، فهي جيدة من وجهة نظري، وأنا شخصيا لا أشعر بالتمييز ضدي في أسرتي، حيث أتمتع باستقلالية في اتخاذ القرارات الخاصة بي، وأسرتي تمنحني ثقة كبيرة وتؤمن بقدرتي على تسيير أموري الخاصة، فوالدايّ يحملان درجة البكالوريوس الجامعية ويعملان في وظائف جيدة.

وعموما أجد أنّ المعيقات الاجتماعية تقف حائلا دون خوض المرأة لمجالات عمليّة معينة، حيث ينظر الناس هنا نظرة غير سوية للفتيات اللائي يعملن في مهنة سكرتيرة أو مضيفة طيران، وذلك لا ينفي وجود نساء يعملن في تلك المهن وحتى في مهنة نادلة». * رنا سلمي (17 سنة) طالبة مدرسة: «التمييز ضد المرأة في مجتمعنا موجود وعلى كافة الأصعدة، وأنا شخصياً أحاول تحسين وضعي وفرصتي في الحياة من خلال الاهتمام بدروسي ومتابعة النشاطات الثقافية، وإعدادي لخطط مستقبلية خاصة بي، وقد يكون ظرفي الخاص هو ما يساعدني، حيث ألاقي دعما كبيرا من أسرتي الواعية، فوالدي يعمل طبيباً ووالدتي تعمل مهندسة، وبذا فإنّ أمثالي من البنات اللائي يحظين بالدعم الأسري قليلات جداً.

وعموما أقول بأنه ورغم نيل فئة قليلة من النساء لحقوقهن، تبقى النساء لدينا يعانين من فقدانهنّ للطموح وللرؤية البعيدة للمستقبل، والسبب في ذلك هو أنّ طبيعة المجتمع توجّه الفتيات نحو تفكير أوحد وهو تكوين الأسرة والبحث عن العريس المناسب، فالقبول المجتمعي لا يتم للمرأة دون تكوينها لأسرة ولا يشفع لها في ذلك تعليمها أو عملها».

* رانيا معلوف (26 سنة) سكرتيرة تنفيذية في الشركة المتحدة للنفط: «أجد بأنّ القوانين لدينا غير منصفة للمرأة، ومثال على ذلك قانون إجازة الأمومة للمرأة العاملة والذي يقضي بتقليص مدة الإجازة مع تزايد عدد مواليد المرأة، حيث تمنح إجازة أقل لدى ولادتها الثانية، وإجازة أقصر لدى ولادتها الثالثة، وهكذا، ما يعني بأنّ القانون يحرم الأطفال من حقهم في الرعاية. ورغم أنّ بعض القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية كالإرث غير أننا نلحظ بأنّ حصة البنات في إرث والدهنّ قليلة في حال عدم وجود اخوة ذكور، حيث تذهب حصة الأسد من الإرث لأشقائه وأهله.

وبالمقابل أجد أنّ المرأة لدينا حصلت على فرصتها الأكبر في التمثيل السياسي والحزبي الذي أقيّمه بالجيد جداً، ورغم أنّ المرأة مظلومة قانونياً إلاّ أننا بدأنا نلحظ وجود بعض التعديلات على القوانين الخاصة بها، من مثل تعديل قانون رفع مدة حضانة الأم المطلقة لطفلها إلى تسع سنوات، حيث كان القانون السابق يقصر المدة على فترة رضاعة الطفل والتي حددها بالسنتين فقط.

وما يدعو للتفاؤل هو موقف بعض نوابنا البرلمانيين من الرجال لجهة الدفاع عن المرأة وتحصيلها للمزيد من حقوقها، ومن أبرزهم الدكتور محمد حبش الذي يقود حملة مستمرة للدفاع عن المرأة. وأنا لا أنكر هنا الدور الذي يلعبه الاتحاد النسائي الذي أقدّره أيضا بالجيد، والحركة النسائية لدينا نشطة لكنها تواجه معيقات وتحديات اجتماعية كبيرة».

* فاطمة العمري، فنيّة مختبر (39 عاماً): «حصلت المرأة السورية على العديد من حقوقها مقارنة بمثيلتها في بعض الدول العربية، لكن ذلك لا يعني بأنها حصلت على حقوقها كاملة، حيث تواجه النساء لدينا واقعاً مريراً بعد التخرج من الجامعة، فالمرأة حتى وإن كانت حاملة لشهادة الدكتوراة تجد صعوبة في الحصول على وظيفة مناسبة، ولدينا نسبة كبيرة من الفتيات الجامعيات ممن يعملن في وظائف بسيطة ولا علاقة لها بالتخصصات العلمية التي يحملنها.

ومشكلة أخرى أعانيها كامرأة سورية هي الرقابة المجتمعية، فجلوسي في هذه اللحظة أثناء حديثي إليكم في مقهى بصحبة صديقاتي يقابل بنظرات عدم الارتياح من قبل المحيطين بنا، ما يؤكد على القهر المجتمعي الذي نعانيه بشكل غير محتمل كنساء.

وأما القوانين الخاصة بنا كنساء فهي ظالمة، ومثال على ذلك النفقة التي تقررها المحكمة للمرأة المطلقة والتي لا تكفي للإنفاق عليها وعلى أطفالها لبضعة أيام في الشهر، كما أنّ المرأة إذا ما طلقها زوجها يكون مصيرها هو الشارع والضياع، فالقانون لا يجبر الزوج على تأمين مسكن ملائم لطليقته وأطفاله، وبذا أطالب الحكومة بتأمين مسكن شرعي «لائق» للمطلقات وأطفالهنّ، كما أطالب بإعطاء المرأة التي تكدّ وتتعب في خدمة أسرتها وبناء مجتمعها حقها على الأقل في كلمة شكر آخر النهار سواء كانت ربة منزل أو عاملة.

وهو الأمر الذي لا يزال بعيد المنال، فالرجال يكافئون نساءهم بالإهمال والتنكر لجهودهن. ويساندهم في ذلك المجتمع الذي غلبت أعرافه على القوانين، فالمرأة حتى وإن تجرّأت على الوصول إلى المحكمة للمطالبة بحقها فإنّ زوجها يعاقبها بتطليقها ورميها في الشارع، وما يشجّعه على ذلك التأثيم المجتمعي الكبير للمرأة التي تتجرأ وتحاول طلب حقها القانوني من زوجها».

* سهى حلبي (23 سنة) طالبة جامعة: «إن تعليم المرأة لا يشفع لها من حيث منحها الثقة بقدراتها على تولّي مواقع قيادية، فأنا مثلا عضوة في مجلس إدارة جمعية تطوعية تعنى بالفقراء، وأعاني من التمييز من قبل زملائي الجامعيين من الذكور ممن يسخرون من جمعيتنا التي أثبتت نجاحاً ملحوظاً في العمل الإنساني، حيث يطلق هؤلاء اسم «جمعية البنات» على جمعيتنا بسبب غلبة عنصر الإناث على الذكور في هيئتها الإدارية، بل انّ الكثير منهم يمتنع عن الانضمام للجمعية، حيث يأتي ردّ الواحد منهم عند عرض الفكرة عليه مليئا بالاستهجان عبر طرح سؤال تهكّمي «إيش؟ هادا إللي ناقصنا إنو النسوان إتقودنا».

وفي ذات الاتجاه نجد أنّ تعليم المرأة لا يسهم في حصولها على استقلاليتها، فالمرأة لدينا حتى وإن كانت حاملة لشهادة الدكتوراه تعاني كسواها من غير المتعلمات من تبعيتها للرجل الذي ينفرد باتخاذ القرارات المتعلقة بالأسرة، ورغم عمل المرأة وإدرارها للدخل إلا أنّها لا تزال تعاني من الظلم، لأن الرجل يرفض تخفيف الضغوطات التي تتعرض لها بفعل مسؤولياتها المضاعفة خارج المنزل وداخله، وهو قلّما يتقبل فكرة مشاطرتها في تحمل أعباء العمل المنزلي والاعتناء بالأطفال».

* دلال أحمد (45 سنة) ربة منزل: «في مدننا السورية تحصل المرأة على حقوقها بشكل أفضل ممّا هو عليه في الريف والقرى، ومثال على ذلك قصتي، حيث أجبرني أهلي على الزواج في سن الثالثة عشرة من ابن عمي حسبما تقضي العادات والتقاليد، وقد أنجبت طفلي الأول وأنا لا أزال طفلة في سن الرابعة عشرة من عمري، وعانيت كثيرا من الجحيم الذي عايشته مع زوجي الذي يكبرني خمس عشرة سنة.

حيث لم أشعر بالانسجام معه في البداية وحاولت في السنة الأولى من زواجي تناول جرعات كبيرة من الدواء كي أقتل نفسي وأرتاح من حياتي التي أقضيها في العمل المتواصل ليلا ونهارا كالخادمة لزوجي وأهله رغم كوني ما أزال طفلة، لكنّ الله سبحانه كان يكتب لي الحياة في كل محاولة.

ومن وحي تجربتي أطالب بمحاربة ظاهرة الزواج المبكر وإجبار الفتاة على الارتباط بابن عمها وهي ظواهر لا تزال متفشية في قرانا، كما أطالب بتشديد الرقابة الحكومية على ما يعرف لدينا «بالزواج البرّاني» أي تزويج الفتيات ممن هن دون السن القانوني من خلال عقد خارجي يدوّنه مأذون شرعي بينما يبقى فاقداً لعنصر التوثيق في المحاكم لسنوات عدة. ويؤسفني كذلك تواطؤ بعض القضاة الشرعيين مع الأهالي، وأنا لا أنسى الكيفية التي توسلت فيها إلى القاضي بدموعي لمنع زواجي إلاّ أنّه قام بإتمامه رغم تحريم ذلك شرعاً لعدم توفر عنصر القبول لديّ».

دمشق ـ شيمابرس