قد لا تكون فكرة إعادة تدوير النفايات ومخلفات الصناعة والزراعة والحرف والمهن وغيرها، جديدة بالنسبة للحركات الفنيّة التشكيلية الغربية، لكنها بالنسبة للحركة الفنية التشكيلية السورية المعاصرة، وبالشكل الذي حدث مؤخراً، في أروقة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، فهي جديدة تماماً.

فقد افتتح قبل أيام، معرض شامل، ضم نتاج ورشة العمل التي شارك فيها ثلاثون فناناً شاباً، بإشراف خبراء من انجلترا وهولندا، وحملت عنوان «الفن المعاصر من خلال إعادة التدوير لبيئة أفضل». هدفت الورشة إلى تطوير المهارات حول ثقافات الفن المعاصر، ورفع الوعي الجماهيري البيئي، والتدريب والتوجيه حول تقنيات الفن المعاصر للفنانين الشباب البارزين على الساحة الفنية السورية، والحاجة إلى الاطلاع على التجارب الأوروبية.

كما هدفت إلى عرض وتقديم هذا النمط أو الأسلوب في التعبير الفني للمشاهدين والمهتمين من الناس في سوريا لتطوير أو تحسين تقبل السلوك التدويري والذي سيؤدي على المدى البعيد، إلى تخفيض ملحوظ في أحجام وتأثيرات الكميات الضخمة من النفايات والقمامة اليومية الناجمة في كل أنحاء البلد،

وفي خط مواز، هدفت الورشة إلى زيادة فرص اللقاء والتبادل الثقافي السوري الأوروبي بين الفنانين السوريين والأوروبيين، وعن طريق الاطلاع والتعلم من تجاربهم. والحقيقة، سبق للفن الغربي وقدم لنا تجارب ومحاولات تنضوي في الإطار العام لمفهوم إعادة تدوير النفايات في أعمال فنية أخذت مسميات عدة منها: فن الحداثة وما بعدها، وفن الطليعة وما بعدها، والفن المفاهيمي، والمركب... الخ.

يُعتبر الفنان (دو شامب) الأب الروحي لمثل هذه التوجهات الفنية، حيث حاول تحويل الأدوات العادية المستعملة والتالفة، إلى أعمال فنية. إذ كان يكتفي بوضع توقيعه على هذه السلعة المسبقة الصنع والمهملة، لتتحول إلى عمل فني، مدفوعاً باعتقاد راسخ، مفاده أن للفنان المعاصر كل الحق بأن يستخدم ما يشاء في تحقيق منجزه البصري الجديد الذي يتحول إلى عمل فني حقيقي بمجرد أن يأخذ طريقه إلى أروقة المتاحف والصالات.

وفي الوقت الذي جاء فيه فن (دوشامب) وسلالته، تتويجاً لحالة من البطر الحضاري، والفراغ الروحي، والتجديد لمجرد التجديد، وصنع الغرابة والدهشة الآتية، جاءت تظاهرة إعادة التدوير السورية مشروطة بالعمل على ابتكار وانجاز أعمال فنية، تظهر مواهب وأفكار ووجهات نظر أصحابها، من جهة،

ومن جهة ثانية، التركيز وتسليط الضوء على ضرورة حماية البيئة، بتخليصها من كميات كبيرة من النفايات التي يمكن الاستفادة منها، والتي تساهم بتراكمها في زيادة الضغط والعبء على النظام البيئي، وتالياً تحريض من يعنيه الأمر، لاعتماد طرق صديقة ورفيقة بالبيئة، في أساليب تعاملهم مع النفايات المختلفة.

دمشق ـ د. محمود شاهين