لي صديق عافاكم الله وعافانا، صحافي، دائما يصفني بأني كائن انطوائي، غير اجتماعي، اركن عادة إلى الهدوء وأحب الصمت، وهو محق في وصفه إلى حد ما، أعطاه الله موهبة نادرة، وهي القدرة الخرافية على الثرثرة التي لا أتحملها ولا يمكن لأي إنسان بالغ عاقل أن يتحملها،

ولا يستطيع هو كبح جماحها، فهو يستطيع أن يتكلم في أي موضوع في أي وقت وفي أي زمان ومكان، بدءا بعوارض الحمل عند المرأة وانتهاء بحل مشكلة دارفور، وكل كلامه طبعا (خريط بخريط)، فهو منظر سياسي درجة أولى ولديه حلول جاهزة في جعبته التي لا تنضب لدرزينة من مشاكل العالم، يكتب في التحليل السياسي ويمكنه أن يتحول إلى التحليل النفسي فالتحليل الاكلينيكي فتحليل البول والدم،

واذا ما شاءت الصدف العاثرة وضبطني في حفلة أو مطعم فإذا لم يجد وضعا مأساويا من أوضاع العالم الثالث يشفي غليله بتحليله، فيمكنه ان يحلل مكونات (التبولة) والفتوش والبابا غنوج والكبة بالصينية التي أمامي بنفس درجة وكفاءة تحليلاته السياسية .

لذلك بت لا أستغرب تعدد تحليلاته المنشورة في أكثر من مطبوعة وتعودت عليها تعود المريض على مرضه، فهو في صفحات الرأي (كاتب ..) ويذكر اسم البلد الذي ينتمي إليه، ويوما يكتب تحت مسمى (محلل سياسي)، ويوما تحت مسمى (مستشار إعلامي) وفي صفحات الاقتصاد يتحول إلى (خبير اقتصادي) في موجات متواصلة لا تتوقف من (الرغي) وأي كلام يعبد السلام (شغل تلصق) .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، يا ترى كم نموذجا من هذا المحلل الجاهز المدجج بماكينات الكلام الرهيبة أصبح لدينا اليوم بعد انفلات مارد الفضائيات التي أصبحت تتناسل وتظهر كالفطر؟ وعلى من تقع مسؤولية كبح جماح ثرثرة هؤلاء المحللين ، أنا اعرف ان الإبداع هو الابن الشرعي للصمت وهو ضد الثرثرة،

ولا يمكن ان تكون ثرثارا ومبدعا بنفس الوقت اللهم إلا في عالمنا العربي، الذي انقلبت فيه الآية فأصيب مبدعوه بداء الخرس المطبق أمام سيل مثل هذه الفتوحات الإعلامية التي يقودها أمثال هؤلاء الجهابذة، سواء على صفحات الصحف أو على شاشات التلفزيون !!.

aalsanjari@yahoo.com