كل مكان نمر به هو كائن يجالسنا ونجالسه ولو مرورا، ولن نشعر بلوعة غيابه مثلما يفعل بنا السفر والنأي عن الديار، ليتكثف حضور ذلك المكان- الكائن شديدا، مكثفا بالوعي واللاوعي، شئنا التذكر أو تظاهرنا بعدمه.
في بيروت جمعتنا جلسة بالأصدقاء بالإعلامي المتألق جوزف عيساوي والشاعرين الصديقين يوسف بزي ويحيى جابر ومجموعة من كتاب ومؤسسي مجلة «الناقد» هذه المجلة التي شغلت الناس وملأت الدنيا أسئلة، كان الحديث يأخذنا إلى مختلف الجوانب الحياتية، الأدب والشعر وندرة الصحف العربية التي تهتم بالنوعية على حساب الكمية، وغلبة السياسي على الإنساني خاصة في لبنان، مع أن السياسي يستقي شرعيته من «الهم» الإنساني نفسه، تشعب الحديث وكانت جلسة مفعمة بتفتيح الجروح كما تتفتح أزهار الربيع، حاولت جاهدا التقاط طرف خيط أشارك به بما عندي، لأنه كما بدا لي أن الإنسان اللبناني «طائر الفينيق» هو كائن مسيس من رأسه حتى أخمص قدميه، حتى تكاد تكون السياسة داخلة في قطعة المناقيش وفنجان قهوة الصباح، لا مفر إذن من الاحتكاك باليومي والمعاش ضمن دائرة تتنوع فيها المشارب والمصادر وكلها تصب في عالم فاتن اسمه الحياة اليومية التي هي أعمارنا التي تمضي هكذا بدون هوادة.
أول مرة اقترب من الشخصية اللبنانية، شخصية «نازيك» حسب التعبير الدارج، ولكنها شخصية وجدتها مثقفة، ليست نزقة ولكن متمردة على السطحي والسائد والساذج. اللبناني يأسرك بلسانه الساحر وأريحيته، يأخذك بلسانه إلى بحيرات بجع وجنائن معلقة، ومساحة شاسعة من ذكريات الجبل والضيعة والجبنة والزيتونة و«الجبل اللي بعيد الذي خلفه حبايبنا»، وجدل بيزنطي وغزل دافء حميم لا ينتهي بالحياة رغم كل منغصاتها وضنكها ومطباتها وتعنت الجيران والأصحاب والخلان.
الحياة تسير بهدوء حذر هذه الأيام في شارع الحمراء، انتزع ساعات احسبها دقائق من الوقت المضغوط بعشرات المواعيد والأعمال التي ينبغي انجازها، عند الدخول في صيرورة هذا الشارع أنسى نفسي وأغوص في مكتباته العريقة: مكتبة أنطوان، والمكتبة الشرقية، ومكتبة نوفل و..و..أكشاك بيع الصحف وبسطات باعة الكتب المستعملة مع أني وجدتها جديدة لا تنم على قدم وبلى أو كثرة استعمال، بسطات جديدة بدأ أصحابها افتراش أرصفة الشارع العريق من باعة الـ CD وال DVD لآخر ما عرض في دور السينما من أفلام منسوخة بعضها جيد وبعضها سيئ النسخ ولكن لا مجال لفحصها عند صاحب البسطة وأنت وحظك يا أبو الحظوظ.
عمار السنجري