كيف بدت لك صورة أميركا خلال ثلاثة أسابيع أمضيتها متنقلاً بين ولاياتها؟ سؤال وجه إلينا نحن المجموعة العربية المشاركة في برنامج ادوارد مورو في اللقاء الختامي التقويمي الذي يعول عليه كثيراً في رسم صورة هذا البرنامج وطبيعة تعامل الولايات المتحدة معه ومع الوفود التي تستقطبها من كل بقاع الأرض، إلى درجة أن الاقتراحات المقدمة تتم دراستها بعناية للارتقاء بهذا اللقاء في دوراته اللاحقة.
لقاؤنا كان مع مندوب وزارة الخارجية الأميركية الشاب العجوز تشارلز، وحينما طلب منا أن نتحدث بكل حرية عما شاهدناه وتابعناه في زيارتنا أدركنا حجم المسؤولية، وكان لابد من أن نستعيد تفاصيل اللحظات الأولى لوصولنا، وحالة الترقب للقاء أميركا تلك الفتاة الشقراء التي قدمتها لنا السينما الأميركية بطرق مختلفة. هل كنت محظوظاً ان يكون أول من يقلني إلى الفندق سائق من أصول إيرانية؟ لا أدري ولكن هذا اللقاء العابر ظل يرافقني طيلة وجودي في بلاد العم سام وظل سؤاله «لماذا تكرهنا أميركا؟» السؤال الأكثر إلحاحاً وقد بحثت له عن إجابة حقيقية فلم أعثر عليها. لا أبالغ إن قلت ان صورة أميركا في خيالنا تختلف عن صورة أميركا في الواقع، وان كنت أميل للاعتقاد بأن هناك أميركيتين، الأولى تلك التي لا تتوانى تتدخل في بلادنا وتزعزع استقرارنا وتحتل أراضينا العربية، والثانية هي صورة العائلات وهم يركضون صباحاً ويحتفلون مساءً، منضبطون بمواعيدهم كالساعة، حالمون بالسعادة والجمال، كل الجمال لديهم... تسألهم ما حاجتكم للعالم وانتم تملكون كل ما خلقه الله على الأرض في قارة يصعب ان تغيب عنها الشمس، يجيبون بإيماءة غير العارف ويفضلون ان تسأل السياسيين عن هذا فهؤلاء في نظرهم أصل البلاء.
لا بد وأن نتعرض لصورة المواطن الأميركي الطيب الذي لا يدخر جهداً من أجل استضافتك في منزله والتعرف عليك عن قرب بحب وود شديدين، ويبلغ حرصه إلى درجة امتناعه عن تقديم لحم الخنزير أو الكحول ويسألك عما ترغب في شربه أو أكله.
لا ندعي هنا أننا كنا سفراء فوق العادة لبلادنا ولكننا حاولنا ان نقول لهم ان الصورة التي تكرسها بعض وسائل الإعلام التي تشرف عليها مجموعات الضغط الصهيونية مغلوطة واننا لا نعيش في خيم ولا نستيقظ على أصوات القتل والدمار ولا نعشق منظر الدماء لأننا لسنا ارهابيين، وأنه إذا كان لا بد من توجيه اتهام في نقل تلك الصورة المشوهة فلا بد ان يكون للجماعات العربية التي لا وجود لها في ساحة المعركة الإعلامية أو السياسية، اللهم إلا بعض من نشاطات فردية بحتة.
وإذا كان من المعروف عن العرب في أميركا بأنهم أصحاب مطاعم ومؤسسات ربحية محدودة، في حين تأتي نشاطات الجالية الإسرائيلية في المرتبة الأولى وتليها نشاطات الجالية الهندية، فإننا طيلة فترة زيارتنا جلنا العديد من المؤسسات الإعلامية المرئية والمقروءة والمسموعة ولم نعثر فيها على إعلامي عربي واحد، في حين كنا نتابع نشاطاً دقيقاً لإعلاميين يهود في تلك المؤسسات.
عموماً حققنا جولات مهمة على معظم وسائل الإعلام في ولايتي كارولاينا الشمالية المحافظة في أقصى الشرق، وأوريغون التي تقع في أقصى الغرب، وقد حفلت زيارتنا لكارولاينا بالعديد من اللقاءات المهمة على مستوى السياسة والتعريف بالنظام الأميركي وعلاقته مع العالم، واجتمعنا إلى عدد كبير من أصحاب الخبرات الإعلامية والسياسية ولأجل هذا اعتبرت زيارتنا لهذه الولاية من أنجح البرامج العملية خلال تواجدنا في أميركا، وعلى العكس منها جاءت زيارتنا لبورتلاند التي خلت من تلك اللقاءات وجاءت لتكون أقرب لأداء الواجب منها لفتح آفاق فهم آلية التعاطي بين الولايات الأميركية.
وخلصت الآراء التي جمعتنا بموفد الخارجية في نهاية اللقاء إلى ضرورة تفعيل اللوبي العربي داخل الولايات الأميركية، وتوسيع هامش الزيارات المتبادلة بين أميركا والعالم العربي بحيث يتاح لوفود أميركية التوجه إلى الشرق الأوسط للوقوف على الحضارات والمعالم السياحية وتحقيق تواصل مع الشرق، وما لمسته شخصياً هو رغبة الكثير من الصحافيين الأميركيين بزيارة دبي والاطلاع على انجازاتها الحضارية،
واعتبر رئيس تحرير جريدة «اوبزرفر» الأميركية أن أحد أحلامه هو ان يزور دبي ويطلع على «منشآتها العظيمة، لاسيما وأن هذه المدينة تتمتع بحضور مهم وكبير لدى الشعب الأميركي حيث وصلت سمعة المشاريع الحضارية والعمرانية إلى مختلف شرائح الشعب هنا»، ويبدو ذلك جلياً من اهتمام الأميركيين بالسؤال عن الجديد الذي قدمته دبي، والطريف أن أحد الزملاء قدم نفسه لعائلة أميركية على أنه من اليمن فسئل على الفور «أتلك التي تقع قرب دبي؟».
حكايتنا مع إيباك ...!
فوجئنا في آخر أيام برنامج الزائر الدولي وبرنامج ادوارد مورو الصحافي بزج اسم منظمة «ايباك» الصهيونية في البرنامج كي يلتقي الوفد العربي بأحد أعضائها بدون علم مسبق منا، وسجلنا اعتراضاً في جلسة التقييم النهائية باسم بعض الوفود العربية من زج اسم هذه المنظمة التي اعتادت دعم إسرائيل بكل أسلحة الدمار، وقد كان لنا دور فاعل في رفض هذا اللقاء عبر الدعوة إلى مقاطعته،
حيث استجابت بعض الوفود العربية في حين أرادت وفود أخرى ان تتعرف على آلية تفكير هذه المنظمة، إلا أنهم (البعض الذي أختار اللقاء) عادوا بخفي حنين لأن صاحب هذه المنظمة أراد ان يسجل سبقاً في طلب صحافيين عرب لقاءه على أرض أميركية، مؤكداً دعم منظمته اللامحدود لإسرائيل وتزويدها بأسلحة للدفاع عن نفسها ومهاجمة أية دول تهدد أمن دولة إسرائيل،
وبطلبه منع نقل أي كلام على لسانه وجد الصحافيون العرب الذين لم يستجيبوا للمقاطعة أنهم وقعوا في مصيدة إعلامية جديدة كان صعباً عليهم التخلص منها، في حين تملص موفد الخارجية الأميركية مشيراً إلى أن اللقاء تم بدعوة من أحد الوفود العربية ولا علاقة للخارجية الأميركية به من منطلق الحرص على عدم تقديم أي لقاء لا ينسجم وروح الفريق العربي، في حين أشار زميلنا المصري بالفعل انه طلب اللقاء بصفة شخصية.
دينا باول.. خارجاً..!
عندما قمت بفتح بريدي الالكتروني قبل أيام، فوجئت برسائل من عدد من الزملاء العرب الذين ترافقت معهم على مدار ثلاثة أسابيع في الولايات المتحدة الأميركية يخبرون فيها ان دينا باول قد استقالت من منصبها كأحد المساعدين البارزين لوزيرة الخارجية الأميركية في شؤون الثقافة، وقد ذهبت تلك الرسائل للتندر بأننا أصبناها بعين حاسدة نظراً لحيوية تلك الفتاة المصرية الأصل ابنة الثلاثة وثلاثين عاماً والتي تعتبر أصغر مساعد لوزير خارجية في تاريخ أميركا،
فحينما كانت في الثانية والثلاثين صارت مساعدة لمساعدة وزيرة الخارجية لشؤون التربية والثقافة في إدارة الرئيس الأميركي بعدما كانت مديرة مكتب الموظفين الرئاسيين حيث كانت مكلفة بتوظيف أشخاص في أعلى مناصب الإدارة، وقد كان دورها محورياً في تحسين صورة أميركا في العالم العربي، وبالتالي لا ننكر أن منصبها هذا أعلى منصب يصل إليه أي أميركي من أصل عربي حتى الآن وهي المشرفة والمسؤولة عن مشروع الزائر الدولي الذي عرفنا بأميركا خلال الأسابيع التي أمضيناها هناك
واشنطن ـ جمال آدم

