تعتبر ولاية كارولاينا الشمالية إحدى أهم الولايات الأميركية استقطابا للجامعات الحكومية والخاصة، والتي تجمع فيها طلابا من مختلف أنحاء الأرض يدرسون اللغات والعلوم والأديان والمناهج الاختصاصية الأخرى التي يجري تقييمها كل سنة دراسية بهدف البحث في الجديد الذي يمكن تقديمه للطلاب.
ويمكننا ان نقول هنا أن عملية التقييم وإضافة مناهج جديدة تخضع لمتطلبات الحياة العامة والاجتماعية، فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر صار هناك إقبال على الدراسات الإسلامية في هذه الجامعة وصار هناك تعديل في دراسات بعض المناهج لتستوعب أعداد الطلاب الجدد الذين يدرسون القرآن واللغة العربية على أيدي أساتذة عرب، و يبدو أن عملية التقييم تلك ضرورية في دليل عمل تلك الجامعات. ولأن كارولاينا الشمالية كانت المحطة الثانية لنا في جولتنا ضمن برنامج ادوارد مورو الصحافي، أتيح لنا أن نطلع عن قرب على حال هذه الجامعات وكيفية الدراسة فيها، وكيف يعيش الطلاب في حياة دراسية خاصة بهم في مكان غزته الطبيعة بأجمل ما لديها. بطبيعة الحال لا يعيش طالب الجامعة في كارولاينا ضمن جدران الصف الدراسي فقط، بل هناك الكثير من الأنشطة التي يقوم بها في سياق برامج تركت له مجال الخوض في نشاطات ثقافية وفنية متعددة، ويبدو من خلال لقائنا مع طلاب بعض الأقسام أن كل شيء ما عدا السياسة هم قادرون على الخوض فيه بدون أن يكون لذلك أية خلفية رقابية تمنعهم من الخوض بالعمل السياسي، لكن ولرغبة الطلاب أنفسهم في أن يعيشوا مع بعضهم البعض في أجواء الطلبة لذا تراهم يؤكدون على عدم رغبتهم الخوض بالسياسة، بل ويشددون على حق العالم أن يعيش بسلام وبالطريقة التي يراها مناسبة.
الحقيقة التي لا إدعاء فيها هي أن طقس الدراسة اليومي في هذه الجامعة التي تنتمي إلى ولاية تصنف بين الولايات الأصيلة المحافظة في المجتمع الأميركي، يساعد الطالب لكي يعيش في وسط مثالي، إذ أن هذه الولاية تعيش على احتياجات حوالي مئة ألف طالب جامعي، ولكن إذا كانت السياسة بعيدة عن جو الطلبة ومشاريعهم اليومية او الأسبوعية كيف يستطيع الدين ان يحقق تلك الوحدة بينهم لاسيما وان أديان السماء اجتمعت تحت قبة هذه الجامعة؟ - المسلمون: نعمل بحرية - سؤال تصعب الإجابة عنه في عالم يتلازم فيه مسار السياسة مع الدين، ولذلك كان لا بد ان نتعرض لهذا الأمر ونطالب بإجابة عنه وسط الطلبة الذين استضفناهم في هذا اللقاء الذي يحكي فيه كل طرف على حدة عن علاقته بالدين في تنظيم حياة الطلبة ومحاولة جعل الدين الغطاء الاجتماعي لهم في دعم الآخرين، ولا بأس من فسحة أسبوعية أو شهرية تجمع كل الطلاب من مختلف الأديان ليكون تفاهما إنسانيا بالدرجة الأولى حسب تعبير صفية قريشي الطالبة الباكستانية التي تتولى شؤون الطلاب المسلمين في جمعية الطلبة المسلمين، بهدف جمعهم في مؤسسة دينية واحدة والذين يبلغ عددهم قرابة سبعمئة طالب أغلبهم من الباكستان وبعض الدول العربية،
وتقول صفية: الإسلام دين التسامح والقرآن طالبنا بأن تكون الأديان الوعاء الذي يحتضن البشرية ويحملها على التواصل، ونحن انطلاقا من هذا اجتمعنا في هذه الجامعة وحاولنا أن ننقل أفكارنا وصوتنا للآخر ونظهر لهم ما هو الإسلام الحقيقي في ظل الهجمة الشرسة التي تطال الإسلام في معظم دول العالم، لا أنكر ان هناك تجاوبا كبيرا مع ما نقدمه وهناك احترام لنا ولديننا في الجامعة، كما أن هناك مكانا خاصا بنا ولصلواتنا ولطقوسنا، وفي شهر الصوم نقوم بإفطار جماعي ندعو إليه زملاءنا وبطبيعة الحال لم نجعل السياسة تتسرب إلى أفكارنا لان ارتباط الدين بالسياسة من شأنه أن يخلق أزمات كثيرة ربما نحن لسنا راغبين في الخوض بها».
وتضيف صفية: «أنا أسعى لان أعطي رأيي بصراحة في بعض القضايا التي نعطي فيها وجهة نظر مع الاستناد على القرآن في ما أقول ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الإسلام كدين غير معروف كثيرا في أميركا كالمسيحية واليهودية ونحن هنا نتعلم كيف نخاطب بعضنا البعض بدون تعصب وبدون كراهية وان نتعلم كيف يكون اختلافنا لصالح ديننا».
المسيحيون: نتواصل بحب
أما جيمس جولي، وهو طالب تخصص تاريخ يرأس جمعية مؤسسة الزمالة الجامعية المسيحية التي تجمع تحت لوائها آلاف الطلاب على اعتبار أن الدين المسيحي هو الدين السائد في أميركا بين مختلف الأديان السماوية الأخرى، يشير جيمس إلى أن جمعيته تسعى لتحقيق حالة التساوي بين الجنسين لحاجة المجتمع للعدالة الاجتماعية بالدرجة الأولى وهو متفائل، والحديث له، في مستقبل تأثير الجمعية لدى أوساط الطلبة في أن أحدا لم يطلب منهم ان يتنازلوا عن معتقداتهم أو أن يتعرضوا لهم ..
ويضيف : «نحن نسعى مع بقية الجمعيات التي تضم أديانا أخرى لتحقيق حالة من التوأمة بين بعضنا البعض بغض النظر عن العصبيات والحالات الأخرى التي نسمع بها عن تعصب الأديان في باقي بقاع العالم ..مع التأكيد على أن مهمة جمعيتنا إنسانية واجتماعية بالدرجة الأولى .. الأديان السماوية وجدت لتخلص البشر من الشر وليس لتزيد مساحة الشر في قلوبهم، ونحن كطلاب نمارس مسيحيتنا بكل يسر وحب ونمارس طقوس العبادة ولكن كنا ولا نزال نقول لا للتشدد في الدين».
اليهود: القواسم المشتركة
على الصعيد ذاته، تعترف روبن غراهام، الطالبة في السنة الرابعة دراسات يهودية ان المؤسسة التي تترأسها والتي تحمل اسم هيلال نورث كارولاينا تتعاون مع الطلاب والطالبات الذين يتبعون اليهودية عن طريق الأم، بأنها غير متعمقة في حالات الجدل التي تقوم عليها الأديان والتوراة لم تقرأه بشكل كامل ولكنها لا ترى ان اليهود يجب ان يتميزوا عن باقي الأديان بالطريقة التعصبية التي يتعامل بها بعض المتشددين منهم حول العالم فوالدها على حد تعبيرها ليس يهوديا، وهي لا تفهم بالسياسة، وهي لا تكترث لروي نكتة تقول اذا كان هناك يهوديان فإن هناك ثلاثة آراء حتما.
ولا تنسى روبن أنها تربت بين أحضان جالية يهودية كانت لا تعرف الكثير عن باقي الأديان، بل على العكس كانت تتوتر حينما تصادف شابا اسمه محمد ولكنها وبمرور الوقت واطلاعها على علاقة الدين بالواقع صار هذا الاسم محببا لديها وصار لديها أصدقاء يحملون اسما كهذا وتتواصل معهم بكل حب .
وتضيف روبن في حديثها عن آلية التواصل بين مختلف الطلبة قائلة: «نحن نرحب بكل الديانات في اجتماعاتنا التي نقوم بها ونسعى لتحقيق التواصل مع المسلمين والمسيحيين لحل القضايا التي تحصل معنا داخل الجامعة كما نتعاضد في معظم المشكلات العالمية ونجمع التبرعات لأهداف إنسانية،
ولا نرغب أخيرا ان نركز على الخلافات والاختلافات بل يحب ان نثري علاقاتنا بالقواسم المشتركة وان نزيح الخلافات جانبا وحقيقة أنا احزن لأي اعتداء يطال الأبرياء وعندما أسمع عن انفجار حصل في إسرائيل او في فلسطين أحزن كثيرا على الأرواح التي تزهق بين الطرفين وأسأل ألا يمكن للطرفين ان يعيشا بسلام؟، لا شك انا مساندة لإسرائيل ولكنني مساندة للسلام والأطفال الفلسطينيين الذين يموتون بلا ذنب»
واشنطن ـ جمال آدم


