ودعت دبي يوم الثلاثاء الماضي علما من أعلام «نظيمة» المالد وأستاذاً من أساتذته ترك خلفه المئات من المريدين وعشاق طريقته في هذا النوع من الموروث الشعبي الديني الذي ارتبط باحتفالات المولد النبوي الشريف، واحتفالات الذكر ومناسبات الأفراح والمواليد والعزاء..
هو عبدالرحيم بن عبدالله المريد، احد الذين توارثوا هذا الضرب من الإنشاد الديني وإقامة حلقات الذكر.. رحل عبدالرحيم المريد عن عمر تجاوز المئة سنة حسب تقديرات أبنائه وأحفاده وعن 95 عاما حسب عام الميلاد المدون في السجلات الرسمية..وتعتبر أسرة المريد هي الأسرة التي توارثت هذا الإنشاد الصوفي القريب من الطريقتين القادرية والرفاعية، إلا أن المريد كلما سئل يقول إن أسلوبه أقرب إلى القادرية حسب قول ابنه محمد.. دأب الراحل عبدالرحيم المريد على إحياء حفلات المولد النبوي سنويا في بيته وفي الأماكن التي تخصص لهذه الاحتفالية السنوية، وعلى إقامتها في مناسبات أفراح الزواج، في أجواء يحضرها المئات من الذين أحبوه وأحبوا ما يقدمه..تتلمذ على يد أبيه عبدالله المريد وتشرب منه طرائق النظم والأداء الإنشادي فكان «نظيماً» له طابعه وطريقته الخاصة التي اجتذبت إليه عشاق هذا الضرب من الإنشاد..
اخذ من والده علمه وتصوفه وأساليب الإنشاد وكتاب البرزنجي، وكان والده الوحيد من بين «نظيمة» المالد في الإمارات ممن حصلوا على إجازة في الطريقة من الفقيه الشيخ محمد عمر الأفغاني الذي زار دبي في ذلك الزمان القديم..علم ودرب الراحل عبدالرحيم بن عبدالله المريد العديد من الذين اتبعوا طريقته وأسلوبه في مدائح الرسول صلى الله عليه وسلم وفن المالد أو المولد..وكان بيته الكائن في منطقة الراشدية في دبي مقرا يستقبل فيه تلاميذه وعلماء الدين ومحبي الأذكار. وفي آخر مناسبة للمولد النبوي صادفته قبل رحيله، حضر جلسة واحدة ولم يستطع إكمال حضور الليالي الثلاث التي دأب على إحيائها كل عام. سعى المريد خلال حياته إلى إيصال طرائقه في إقامة حلقات الإنشاد الديني إلى تدريب وتعليم العديدين على أصول «النظم» ومنح عدة إجازات لبعضهم، وممن رافقوا دربه نظيم المالد الشهير احمد بن حافظ، وكذلك الشيخ محمد الحداد وربيع البدور وأبناء حميدان «عيال حميدان» وهم أربعة من جيل الشباب أصر على تدريبهم وتعليمهم، ويعتبر نفسه انه سلمهم أصول الإنشاد، كما أجاز عبدالرحيم المريد حمدان المعمري من سلطنة عمان، والذي يواصل اليوم النظم على أسلوب المريد..
لا توجد وثائق مكتوبة ولا قراءات لحضور نظم المالد وطرائق أدائه وحضور رموزه في الحياة الثقافية والاجتماعية في الإمارات، وبالذات في دبي لأن أحدا لم يكترث بهذا الجانب الثقافي المتغلغل في حياة الناس والمتجذر في تاريخ ثقافة المكان، لهذا فان الباحث يعجز اليوم في محاولة الرصد والتقصي، وليس هناك ما يعرف وما يمكن قراءته عن فن المالد ورموزه سوى اسطر قليلة تقدم شرحا مقتضبا وناقصاً أيضاً.. يقول ابنه محمد عبدالرحيم المريد الذي يسعى اليوم وبعد رحيل والده لتنظيم فرقة أبيه وإبقاء طقوس إحياء الموالد في المناسبات الدينية والمناسبات الاجتماعية الأخرى؛ إن والده حول منزله طوال سني حياته إلى مدرسة لتعليم نظم المالد والإنشاد، كان يجمع حوله من يطلب العلم ويعلمهم على قراءة البرزنجي والإنشاد ويصحح لهم الأوزان وأساليب النطق والأداء الصوتي، وكان الراحل يستعين في الشرح بعرض أشرطة الفيديو أو التسجيلات الصوتية التي كان يقوم بتسجيلها أثناء إقامته لمناسبات «المالد» ويبدأ في الشرح على النموذج الذي أمامه ويعلم تلامذته مكامن الصواب ومكامن الأخطاء..
ويضيف محمد: ما كان أبي متصوفا بالأسلوب المتعارف عليه في الزهد الشديد والمتطرف، بل كان إنساناً عاديا يقيم الأذكار وينشد الأناشيد ويقرأ سيرة الرسول صلى الله وعليه وسلم..كان فاتحا بيته لكل القادمين إليه، جدد وطور في تفاصيل وأساليب «المالد» وكانت لديه مخطوطات كثيرة جمعها وأخرى نسخها بيده يعطي منها لتلامذته لكي يحفظوا من قصائد النظم والمديح..كما انه كان يفرق النظم بين المناسبات الدينية التي عادة ما يقرأ السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم وينشد فيه ما نظم من قصائد المديح، وبين مناسبات الأفراح التي كان ينشد فيها القصائد الشعرية المختلفة.
المخرجة السينمائية نجوم الغانم والشاعر الباحث خالد البدور آخر من قابلا الراحل عبدالرحيم المريد في منزله مقابلة فيلمية في إطار مشروع تبنياه قبل ثلاث سنوات لإنتاج فيلم تسجيلي عن حياته وعن فنه وعن طريقته الصوفية..والفيلم مازال عالقا أمام تحديات التمويل، بالرغم من انه يتتبع حياته وتفاصيلها وإسهاماته في موروث المالد ويضم تسجيلات حية بالصوت والصورة لجلسات الذكر وقصائد المديح بصوته..
تقول المخرجة نجوم الغانم: كان آخر لقاءاتنا معه في 30 مارس الماضي بدا أكثر سكونا، اختزل الكثير من ايماءاته وحركته وبالرغم من مرضه كان متعاونا ويتحدث ويجاهد نفسه لكي ينشد.. وتضيف: لم يتبع الراحل عبدالرحيم المريد الطرق الاعتيادية في التصوف وما تعارف عليه في مسألة الزهد الشديد ولا الغلو، بل تعامل مع الطريقة بشفافية الإنسان البسيط.
بعد رحيله يفقد فن المالد واحدا من رموزه، لكن يبقى ان الراحل ترك وراءه جيلا عشقوا أسلوبه فيه وحياته أيضاً.. في مشروع تبنته وزارة الإعلام والثقافة قبل عامين لتكوين فرقة من الشباب تؤدي فن المالد أرسلت له الوزارة مجموعة من الشباب، اهتم بهم ورعاهم تدريباً وعناية..
عبيد علي مدير الفرقة القومية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع قال: كلفنا من قبل الوزارة بأن نحضر عليه مجموعة من عناصر الفرقة لكي يتدربوا على يديه ويستمعوا إلى نصائحه، لقد شجعنا كثيرا وطلب الاستماع إلى الفرقة ثم قال إنهم جيدون وينبغي الاهتمام بهم، كما طلب منهم مشاركته في إحياء حفلة من حفلات المولد النبوي الشريف، وأصر على التواصل مع «نظيم» الفرقة القومية احمد العلي الذي واظب على الاتصال والتواصل معه للنهل من علمه في هذا الجانب من جوانب فنوننا الشعبية..
ويعتبر «النظيم» احمد العلي عضو الفرقة القومية نفسه تلميذاً من تلامذة الراحل ويذكر تلك الجلسات معه، وكيف كان حرص الأستاذ على التلميذ..يقول احمد كان الراحل عبدالرحيم المريد يرفض تسمية «فن المالد» ويقول هذا «ذكر» وله أصوله وثقافته الضاربة في التاريخ وله علومه وأشعاره وطرائق أداء تختلف وتتنوع.. وقد استفدت منه وكثيرا ما أوقفني وأنا «انظم» ليصحح أسلوبي في الإنشاد ونطق الكلمة والتعامل مع الوزن واتباع مواصفات لحن الإنشاد..
ويضيف العلي: كان شديد الخوف والقلق على اندثار المالد لما بدا يلحظ ذلك في السنوات الأخيرة، وسألته ذات يوم من ترشح ان يكون خليفة لك في هذا الجانب فأشار إلى شخص يدعى حمدان من سلطنة عمان..ويقول العلي: «كنت اعتقد ان المالد فن، لكنه علمني انه أدب وتراث له امتدادات في التاريخ، أهداني قصائده الخاصة في المديح وبعض ألحانه، وكتبا كثيرة وكان لا يقبل بالخطأ في أداء النظيم ويعتبر الجميع أولاده وأبناءه».
الآن وبعد رحيل عبدالرحيم المريد تتبادر الدعوات للمحافظة على ما تركه هذا النظيم الذي أمضى سنوات عمره في تعليم من حوله وفي إحياء أناشيد المالد.. وبالتأكيد فإن الحاجة ماسة لإبقاء جوقته ومناسباتها حاضرة في الحياة الثقافية الشعبية..
دبي ـ مرعي الحليان



