تطأ أرضها وأنت تعلم أن هناك ما تخفيه عنك، وأن المسافة التي تفصل بينك وبينها عصية على التاريخ والجغرافيا في آن معا، ولكنك لا بد وأن تحترم هذه الفسحة من الغموض لأن الأشياء الكبيرة هي وحدها التي لا تقدم لك نفسها دون عناء المغامرة وحس الاكتشاف.
أميركا، بدأت أقترب منك قليلا، ولست وحدي الذي بانت عليه ملامح القلق من رهبة اسم هذا البلد الذي عرف عنه دعمه للحضارة في العالم، إضافة إلى ارتباطه بالعولمة والاستعمار ونشر آلات القتل والدمار وتطويرها، كيف يعيشون على إيقاع هذا التناقض، لا أعلم كما لا يعلم الكثير من أهل أميركا وهذه ميزة يحسد عليها أهل هذا البلد!
وصلنا باكرا لمطار واشنطن، العاصمة الأميركية،
كل الركاب خرجوا من المطار بعد أن قاموا بكل الإجراءات الأمنية والروتينية الأخرى، وذهبوا إلى بيوتهم إلا العبد الفقير فقد اضطر لانتظار الموظف المتأخر عن دوامه، ولأنني من جنسية لا يرغب كثيرا بها الأميركان، تحولت الدقائق القليلة إلى ساعتين ونصف وها أنذا أنتظر أن يأذن لي الموظف المستاء، من ماذا..؟ لا أعلم، وأخيرا خرجت من المطار الأنيق والبارد جدا.. بعد أن رحب بي بابتسامة صفراء..!
وأميركا ليست ذلك البلد الذي قرأت عنه، إنها الآن بلد مختلف تمام الاختلاف.. هكذا أجابني سائق التاكسي ذو الأصول الإيرانية الذي قال لي ساخرا ألا ترغب بأن أقلك إلى البيت الأبيض كي تقول لجورج بوش صباح الخير، ويجيب ضاحكا يبدو أنه من سوء حظك أن ترافق شخصا إيرانيا في أول لقاء لك في أميركا، على كل الأحوال سأعطيك نصيحة لا تفكر كثيرا كيف تمشي عجلة هذا البلد، انظر كيف يعيش الناس بسعادة وتمتع بوقتك ولا تفكر بسياسة أميركا فهذا أفضل لك.. وهذا سيقصر عليك الطرق.
كلامه كان يسرق مني متعة اللحظة الأولى في اكتشاف إحدى المدن العملاقة في العالم، مدينة داعبت طبيعتها تشكيلات معمارية كلاسيكية وتمازجت معها لتعطي شكلا هندسيا حميما للغاية، ولهذا تشعر أن الروح موجودة في كل ركن من أركانها ولكن إشارات الاستفهام ظلت مرسومة على وجهي وأنا أشاهد شعب هذه المدينة يمارس الرياضة الصباحية في حين تشرف سماؤها على ذرف الثلوج ولكن شمسا خجولة كانت تمنع هذا.
تمضي أيامي في واشنطن وسط برنامج محاضرات متعب للغاية هدفه التعريف بأميركا ومراحل تطور هذا البلد وسر النشاط الإعلامي فيه، ولا بأس بجرعة سياسة، أسماء كثيرة وكبيرة كنا نراها في التعليقات والتحليلات السياسية على شاشات الأخبار العربية والعالمية جلست أمامنا حاورناها، ناقشناها وانتهى نقاشنا بخصام مؤجل على مبدأ الاتجاه المعاكس، نتفق مع آراء ونختلف مع آراء أكثر ولكن مع الوقت تزداد مساحة الغموض، ولا نعرف إجابات لأسئلتنا الكثيرة التي حملناها معنا.
يندر أن تمر بنا خبرة سياسية واقتصادية من دون أن تؤكد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد قصمت ظهر الحريات في بلد الحريات إلى درجة جعلت من أي إجراء أمني مباحا مهما كانت درجة وقاحته، ولا أخفيكم وأنا أكتب هذه الكلمات بمقدار الحرج الذي تعرضت له من اعتذارات الموظفين في الخارجية الأميركية، جراء التفتيش الذي كنت أتعرض له شخصيا،
وربما كنت الشخص الوحيد الذي تعرض لتفتيش دائم في كل رحلاتي وتنقلاتي، وغالبا ما تصدمك عبارة، عذرا نحن نخاف على حياتك و..حياتنا!! إذن لا بد لك أن تصمت في بلد الحريات عن أي إجراء امني يتخذ معك تحت غطاء الخوف من الإرهاب وما أوسع هذا العنوان وأشمله، ولا أتمنى كما لا يتمنى الكثيرون ان ترتبط حضارة هذا البلد بثقافة الخوف..!
يستوقفني مصادفة مواطن أميركي في الشارع يسألني من أين أنت فأجيبه وهكذا يوحي لي بحركة درامية أنه عرف ولكنه يفاجئني بسؤال آخر عن حال ياسر عرفات زعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان.. سؤال أربكتني الإجابة عنه حقا لأنه يحتاج الى إعادة بناء في المعلومة التي حصل عليها هذا الرجل من الجذور،
ولكني دخلت بين خيارين من باب التحدي إما أن أصمت، وإما أن أجيب عن أي تساؤل وهكذا صرت أقف حائرا وقلقا من أسئلة تفترض أن العرب مثلا لا يعرفون ما هو الكمبيوتر حينما قال لي موظف الفندق أنت عربي هل تحتاج حقا للانترنت فأجبته لماذا؟ فرد بجهل أكبر هل لديكم في خيمكم كمبيوترات ...!وأتوقف مرة ثالثة أمام طالب جامعي بعد أن قدمت محاضرة عن صورة أميركا في الإعلام العربي هل أستطيع أن ازور بلادكم وأعود سالما، ولن أخوض كثيرا في شرحي على أن إيران ليست دولة عربية وأحمدي نجاد ليس رئيسا عربيا ..! وأسئلة كثيرة لا تخلو من الطرافة.
.. وتمضي في شوارع واشنطن الجميلة وأنت ترد على ابتسامة الجميع وتراهم يشعرون من عينيك أنك غريب وتحتاج الى المساعدة، شعب طيب ومسالم للغاية وأبوابه مفتوحة لكل ثقافات العالم، وباعتقادي لو أن نقود العرب المهدورة هنا وهناك وضعت في سياق إعلامي صحيح لاستطاعت أن تغير صورة العرب في كل العالم وليس في أميركا وحدها حيث ما يقوله الإعلامي والسياسي الأميركي الكبير هودنغ كارتر في حديثه إلى البيان، الذي سننشر تفاصيله قريبا، لأنه وبحسب تعبيره أميركا بلد كبير ومفتوح لمن يريد أن يقدم نفسه لشعبها..
نتوقف عند هذا الحد لنمضي في زيارة معدة باهتمام في بعض الولايات الأميركية لأن واشنطن كانت المحطة التمهيدية لجولة تقضي بتعريف أميركا بنا أو تعريفها علينا حيث تختلط الكثير من وجهات النظر وخيارات البحث ورؤيا العالم.. وللحديث تتمة.
واشنطن ـ جمال آدم