الهابط فوق منطقة التراث في مدينة الشارقة، كالهابط على كنز من فترة تاريخية، باتت عملية تذكرها تدخل سنوياً في «نوستالجيا» الروح والوعي واللاوعي الجمعي لإنسان الإمارات الذي نشأ وأبدع وحافظ على تميزه وهويته منذ فجر التاريخ، (كما تقول الشواهد الأثرية في منطقة مليحة على سبيل المثال).

الداخل إلى ساحة التراث كالداخل إلى موقع تصوير سينمائي فاتن في إبهاره، غني بموجوداته، ممتع في أجوائه، هنا انفتاح على الإبداع الأصيل لإنسان الإمارات، واكتشاف حياة كانت وما زالت تشكل صلب هوية أبناء هذا المجتمع، كانت ـ بالنسبة لي شخصياً على الأقل ـ المشاركة السنوية في مهرجان الفرح هذا تشكل دفعة نفسية ومعرفية ومتعة بحثية وبصرية قوية لأنها دائماً ما تضيف لي شيئاً جديداً واكتشف جوانب وعوالم ربما لم أنتبه إليها سابقاً.

هذا العام اكتشفت ثقافات محلية كنت أسمع وأقرأ عنها فقط، على سبيل المثال لا الحصر تعرفت على ثقافة الظهوريين، هذه القبيلة العربية التي تتخذ من المناطق الجبلية في دولة الإمارات مناطق سكنى لها منذ سالف الأزمان، بعد أن تعرفت سابقاً على ثقافة قبيلة عربية أخرى تسكن تلك المناطق ومنطقة رؤوس الجبال وهي قبيلة الشحوح، ونبهني أحد أبنائها إلى أن لقبيلتهم ثقافة وعادات وتقاليد وحرفاً وصناعات تميز بها أبناؤها عن غيرهم من أبناء القبائل الأخرى،

والأهم بالنسبة لي كان تعرفي على لهجة هذه القبيلة، ولهجات القبائل في الجزيرة العربية كما هو معروف لدى الباحثين لم يهتم بها باحثون عرب، بل أن أول من نبه للعناية بها هم المستشرقون الأجانب والرحالة الذين وصلوا إلى مناطق رؤوس الجبال، وكتبوا عن ناس هذه المناطق ولهجاتهم المميزة ونسبوها خطأ إلى لغات غير عربية.

مسألة أخرى، تعرفت عليها من وحي هذه المشاركة، بعد أن اضطرت للمبيت في الشارقة. والنهوض مبكراً بعد صلاة الفجر للقدوم إلى العين، فأردت تغيير طريق القدوم من شارع الإمارات إلى طريق محافز ـ مليحة ـ المدام ـ الشويب ـ الهير ـ العين حسب اقتراح الصديق عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة ومهندس هذه الأيام،

وكان اقتراحا موفقا فقد هيجت هذه السياحة في الوطن رغبة شخصية قديمة لدراسة طرق القوافل القديمة في الإمارات، كنت ولا أزال أمني النفس بتنفيذها حين تسمح الظروف فهي أمر يحتاج للتفرغ والسياحة العلمية التي لم نتعود عليها ـ حسب علمي - في عالمنا العربي،، وكانت قد وردت أسماء للعديد من الآبار والطويان التي كانت تعتبر محطات الاستراحة لقوافل الجمال في فترة ما قبل النفط وقبل دخول السيارات،

ومن هذه الطويان كنت قد سمعت أكثر من راو وشاعر خاصة في منطقة العين وضواحيها يصف طوي يسمى (طوي نزوى، ورغم وصفهم له بأنه يقع في إمارة الشارقة، إلا أن السامع الذي لا يعرف المنطقة جيداً لا يمكنه تحديد مكانه بالضبط، ومع شقشقات الفجر الأولى انطلقت سالكاً طريق مطار الشارقة متجهاً إلى العين، وإذا بي أمام لافتة صغيرة عند تحويلة على طريق «محافز» المؤدي إلى «مليحة» كتب عليها (طوي نزوى)، فاستوقفتني الكلمة، نزلت من السيارة واستنشقت هواء الفجر الندي، وأنا أحلم بإجازة طويلة لملاحقة الجغرافيا وتوثيق طرق القوافل، فتذكرت أن المسلم هو صاحب الاقتراح الأخير أيضاً.

aalsanjari@yahoo.com